أتذكر أنني منذ زمن قرأت الحكاية التالية: كان رجل في الخمسين من عمره، يعمل أستاذاً جامعياً لمادة الفلسفة، توفيت زوجته باكراً بسبب إصابتها بالسرطان، فحاول التكيف مع وضعه الجديد كرجل أعزب، لم يكن لديه أبناء، وكان التدريس والقراءة وأوراق طلابه والحصص التعليمية هي كل ما يشغله ويملأ حياته.
وللأسف فقد اختار لفترة طويلة أن يكون متكتماً كصندوق مغلق قليل الكلام، لا يفضي بما في نفسه لأحد، وبعد فترة شعر بحالة من التعب والمرض والإحباط، فقرر أن يأخذ إجازة طويلة من عمله الجامعي، واختار مكاناً بعيداً في آسيا لقضاء عام كامل هناك.
في طريقه إلى آسيا، استقل الطائرة، وهو لا يدري كيف ستكون الأيام المقبلة، كان حائراً ومتردداً، وللمرة الأولى فكر في أن يتحدث بما يجول في داخله من هواجس، لقد أفضى بذلك لجاره الجالس بجواره في الطائرة.. وكل ما بقي من كلام جاره تلك العبارة. إنك بحاجة لأن تستعيد ابتسامتك.
فعلاً كان الفرح هو أقصى ما كان يتمناه، لم يكن بحاجة للمال، ولا لإثبات الذات، ولا للشهرة كان ككثير منا، بحاجة ماسة إلى رفيق حياة، شبيه بذلك الرفيق الذي نتمناه في السفر.
وتماماً كما جاء في تراثنا العربي، إن الرفيق أو الصديق لا يمكنك أن تعرفه إلا إذا جمعك معه سفر، ساعتها وبعد الرحلة فقط تقول: «يا لها من رحلة عظيمة استمتعت بكل لحظة فيها مع هذا الرفيق الذي لا يضاهى في السفر!» أو تقول: «كم كانت الرحلة مرهقة مع رفيق بهذا السوء!» وكلنا يحتاج الرفيق الذي لا يضاهى في رحلة الحياة!
بطل القصة كان يعيش مع زوجته على أنها هذا الرفيق ضمن حياة زوجية تماماً كما وصفها، الفيلسوف الألماني نيتشه «الزواج، ليس سوى حوار عميق بين زوجين.
ولكنه بعد أن ماتت أغلق قلبه وحقائبه وكدس كل همومه في داخله ولذلك فسرعان ما تعثر! وهذا ما يسميه كتاب «احزم أمتعتك من جديد» بمبدأ «فض الحقائب» فالحقيبة التي نملأها بأكثر من سعتها ونظل نضغط عليها سرعان ما تنفجر، ناثرة كل ما فيها، خاصة إذا كنا في رحلة طويلة!
في حياتنا، وفي دواخلنا حقائب مليئة بالأوراق والملفات الصعبة والمرهقة أحياناً: حقيبة العمل، والحياة العاطفية وحقيبة المكان الذي نعيش فيه ونقيم بداخله..
هذه الحقائب لا يجب أن تظل مكدسة، وأفضل الطرق لفض هذه الحقائب كما يرشدنا هذا الكتاب هو الحوار مع شخص آخر، وليس أي شخص، لكنه الشخص الذي يحمل لنا في داخله الكثير من المحبة والتفهم.
ولا يهتم أو ينشغل بأمر تغييرنا، بقدر ما يصغي لما نقول من دون أن يصدر علينا حكمه في اللحظة نفسها. إنه ببساطة ذلك الشخص الذي يفرح حين يلتقي بنا، ونفرح كثيراً حين يحضر أو عندما نراه.. وليس صحيحاً ذلك المبدأ الذي يتخذه البعض «لم أجد رفيقاً خيراً من الوحدة» فالوحدة وإغلاق حقائب الروح لا يقودان للصحة والسعادة أبداً!».
sultan@dmi.gov.ae