على خلاف الحرب المشتعلة في العراق فإن ثمة حربا أخرى مشتعلة في العاصمة الأميركية واشنطن.. والفرق بين الحربين هو نوعية السلاح المستخدم حيث تستعمل الحرب الأولى طلقات الرصاص ودانات المدافع فيما تستعمل الثانية حبر المطابع وسنّ الأقلام أو مفاتيح الدق على «كيبورد» الحواسيب الالكترونية.

هي حرب إعلامية مشتعلة بحق بين أركان إدارة الرئيس بوش وبين ممثلي السلطة الرابعة من أهل الصحافة ووسائط الإعلام.. ويرجع السبب في اندلاع هذا الصراع إلى عاملين مباشرين أساسيين:

الأول ويتمثل في نشاط دوائر البنتاجون العسكرية في أميركا الذي أفضى بها إلى شنّ حملات إعلامية مدفوعة الأجر وانطوى ذلك على رشوة عدد من الصحافيين والإعلاميين.

الثاني ويتمثل في المعلومات التي ذاعت على الصعيد القومي بالولايات المتحدة بشأن أنشطة وكالة الأمن القومي (إن. إس. إيه) في التجسس على مواطني أميركا ذاتها وعلى المقيمين فوق أرضها.

وفي أوائل ديسمبر الحالي كشفت صحف أميركية عديدة (كان في مقدمتها واشنطن بوست) عما وصفته الجريدة المذكورة بأنه محاولات بذلتها القيادة الأميركية في بغداد ودفعت فيها مبالغ لصحف عراقية لقاء نشرها «أخبار ومعلومات إيجابية» بمعنى المدح والتقريظ والإشادة للجهود التي تبذلها الولايات المتحدة في العراق..

وفي سياق التحقيق الذي نشره اثنان من صحافيي واشنطن بوست (جوش وايت وبرادلي غراهام) يتضح أن الدوائر العسكرية الأميركية استأجرت إحدى مؤسسات العلاقات العامة والإعلان واسمها مجموعة لنكولن التي كانت تتولى أحيانا كتابة المقالات.

والموضوعات في العاصمة الأميركية ثم تبعث بها إلى حيث يتم ترجمتها إلى العربية ومن ثم نشرها بأقلام وأسماء عراقية في وسائل الإعلام المحلية بالعراق.

ليس صدفة إذن أن ينشر الكاتب بيتر برستون تعليقا (الجارديان الأسبوعية 4/12/2005) بعنوان «البروباجاندا أو الرشوة» ينتقد فيه هذا السلوك ويؤكد في سطوره على أن القضية لا تتمثل في نشر أنباء إيجابية أو معلومات تريح البال أو تسر الخواطر بقدر ما أن المهم هو كتمان الحقيقة بكل أبعادها وربما بكل قسوتها وفي هذا يقول الكاتب المذكور:

- إن الناخبين في العراق- شأنهم شأن الناخبين في أيوا (الولاية الأميركية) - قوم ناضجون وبَشرُ فاهمون.. وبوسعك أن تبسط أمامهم الحقيقة التي تفيد بغير مواربة بأن الديمقراطية طريق شاق شديد الوعورة من طرق الحكم.. لكن هذه المصارحة شيء في حين أن تلفيق الأكاذيب أمام هذه الجماهير باسم الحرية شيء آخر تماما.

أما الجبهة الثانية من حرب الإعلام المندلعة في واشنطن فقد بدأت تتجلى في منتصف ديسمبر على وجه التحديد حيث كشفت صحيفة نيويورك تايمز (عدد الخميس 15/12) عن النشاط الذي ظلت تقوم به وكالة الأمن القومي التي ألمحنا إليها للتجسس على سكان أميركا من مواطنين ومقيمين.

في هذا الصدد يكتب «سكوت شين» دراسة تحليلية منشورة يوم 17/12 تؤكد خطورة ذلك التجاوز للاختصاصات المخّولة للوكالة الاستخباراتية المذكورة التي لا يسمح لها ـ بموجب القانون واللوائح الداخلية - بممارسة أي نشاط للتنصت أو الرصد السري أو المتابعة لأمور المواطنين على الصعيد الداخلي إلا بموجب أمر صادر من المحاكم القضائية وذلك باعتبار أن أنشطتها تمارس أصلا خارج الحدود..

وأشارت الدراسة أيضا إلى أن نشاط الوكالة الداخلي جاء ليشكل توسعا لا مبرر له في السلطات التنفيذية لرئيس الدولة على نحو ما ارتآه فقهاء قانونيون وحقوقيون في الأوساط الأميركية. صحيح أن هناك من أركان الإدارة الحالية من بادر إلى الرد موضحا أن الرئيس كان يتصرف بموجب قرار أقرب إلى التفويض أصدره الكونجرس يوم 14/9/2001 (بعد فاجعة سبتمبر الشهيرة بأيام ثلاثة) .

ويقضي بأن يستخدم رئيس الدولة جميع السلطات اللازمة للحيلولة ضد وقوع هجوم جديد تتعرض له أميركا لكن مشكلة هذا النوع من التفويضات أنها تضع في يد مؤسسة بذاتها من مؤسسات الحكم ومن ثم في يد أفراد بعينهم سلطات مطلقة أو شبه مطلقة، فضلا عن أن ممارسة تلك السلطات تظل أولا خاضعة لتقديرات هؤلاء الأفراد .

وهي تقديرات ذاتية في التحليل الأخير، كما أنها تخضع ثانيا لنظرتهم وتقييمهم لتطورات الظروف حيث يجنح الأفراد، إلى الأخذ بالأحوط وإلى سد الذرائع وتلك طبيعة الكائن البشري في كل حال.

هذه الأوضاع تفضي بدورها إلى الجنوح إلى احتكار الحقيقة بمعنى احتكار مصادر الأنباء أو الإنفراد بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمحاولات تلوين المعلومات أو تفسيرها أو ترتيب بنودها .

أو توقيت بثها أو السيطرة على تدفق تلك المعلومات سواء من حيث التواتر الزمني أو من حيث مواقع البث والجماهير المتلقية لتلك المعلومات إلى حيث تصل الأمور فداحة وخطرا فيتعرض الإعلام والمعلومات إلى آفة المخاتلة أو التضليل وربما آفة التكتيم أو التعتيم.

وفي هذا الصدد يتداول الخبراء عبارات جوبلز وزير دعاية النازي الشهير على أنها تصف أسوأ أوضاع يمكن أن تتعرض لها الرسالة الإعلامية الموجهة إلى جماهير الناس.. وقد ردد فيها جوبلز ألفاظا باللغة اللاتينية تقول:

ـ إن كتمان الحق أنجع سبيلا من نشر الباطل.

ونحسب أن أنجع سبيل لنشر الحقيقة هو وجود وسائل ووسائط وإتاحة سبل ومنابر متعددة لنشرها. وكم أحسنت مجلة «نيشن» الأميركية (عدد 5/12/2005) حين اختارت أن تشارك في الحوار الساخن الدائر حاليا في واشنطن فنشرت مقالا رصينا أحالت فيه إلى فتوى شهيرة أصدرها عام 1945 قاضي المحكمة العليا هو غوبلاك حين عرض إلى ما يقصده التعديل الأول من الدستور الأميركي من ضمان حرية الإعلام والتعبير فقال:

ـ يقوم التعديل الأول على الافتراض بأن أوسع نشر (بث) ممكن للمعلومات أمر جوهري ولا غنى بالنسبة للصالح العام وهو ما لا يتحقق إلا من مصادر تجمع بين التنوع والتعدد وبين اختلاف الآراء والمشارب والاتجاهات.. ذلك لأن الصحافة الحرة شرط أساسي لقيام المجتمع الحر.

والجديد في مثل هذه القضايا هو أنها انتقلت من ساحة الإعلام ومن مكاتب الصحافيين إلى ساحات الكونجرس.. وأنها اجتازت بوابات المؤسسة التشريعية في مبنى الكابيتول بالعاصمة الأميركية في خطوط جمعت بين قضايا تدفق المعلومات وحرية الصحافة وبين قضايا التجسس الداخلي والتوسع الفضفاض في ممارسة السلطات التنفيذية باسم الحفاظ على الأمن القومي.

وثمة أضواء كاشفة أخرى مازالت مسلطة على الحوار المرتقب بين طرفي البيت الأبيض والمعارضة الديمقراطية في الكونجرس:

الطرف الأول يعبر عنه ستيفن هادلي المستشار الرئاسي للأمن القومي حين قال: إن الرئيس بوش مستاء للغاية إزاء هذه الأمور (يقصد طبعا تجاوزات خطط الدعاية بالإعلام).

في حين أن الطرف الثاني عبر عنه مؤخرا السناتور الديمقراطي المعارض ركفلر الذي تناول باستياء شديد وعميق المعلومات المنشورة عن النشاط التجسسي الذي ظلت تمارسه، على مدى سنوات - وكالة الأمن القومي ـ في مجال الاتصالات الهاتفية وما في حكمها في غيبة عن سكان الولايات المتحدة وبذلك تعرضت خصوصياتهم للرصد والانكشاف.

كاتب مصري