عندما اعترف كولن باول وزير الخارجية الأميركية السابق بكذب ما جاء في التقرير الذي عرضه على الأمم المتحدة في سبيل تعزيز الموقف المناصر للحرب على العراق، فإنه كان يمهد ـ على ما يبدو ـ لاعتراف رئيسه جورج بوش الذي جاء تالياً ومنذ أيام حيث وببساطة قال إنه كان ضحية تقارير استخباراتية خاطئة من قبل الاستخبارات الأميركية، وإنه بهذا يعترف بخطأ قرار الحرب متحملاً المسؤوليات المترتبة كافة!!
ليس ببساطة أن تعلن حرباً، وتتحمل نتائجها المرعبة، لأن المنطق يقول إن من يعلن الحرب لا يمكنه إطفاؤها أولاً، ولا يمكنه أن يدفع أي ثمن يترتب عليها، وبوش لن يعوض العراق ضحاياه وسنوات تنميته، وثرواته التي سرقت، والخراب الذي ينخر في أحشائه بسبب الإرهاب الذي تحول العراق إلى مرتع من مراتعه ومصدراً من مصادره في المنطقة. نعم، نعترف بأن أميركا أسقطت نظام صدام الدكتاتوري، لكنها باعترافها تقر بخطأ قرار الحرب.
لقد ثبت من خلال إحصاءات وأرقام المنظمات العالمية العاملة في مجال القانون الدولي الإنساني أن العالم كله لم يعش منذ العام 1945 وحتى اليوم سوى 40 يوماً من السلم، وأنه خلال كل هذه السنوات دفع 40 مليوناَ حياتهم ضحية، وأنفق 1000 مليار دولار كنفقات عسكرية، تنفق على 340 نزاعاً مسلحاً، أغلبها نزاعات داخلية، وبينما كان الناس يخافون من الدبابة والرشاش، فإن مخابئ أسلحة سرية لم يكشف عنها حتى الآن تحوي أسلحة بإمكانها إبادة الجنس البشري ببساطة وفي غمضة عين، إضافة إلى أن أضرارها المرعبة على الإنسان تجعل الرشاش والدبابة مجرد ألعاب.
لقد قنن رجل نبيل مثل (أوغو دينو) أحكام حقوق المدنيين في الحرب أو القانون الدولي الإنساني كما أنشأ اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقدم حالياً خدماتها في جهات العالم الأربع والتي نتجت عن اجتماع أو مؤتمر جنيف العام 1863. هذا الرجل الذي تأثر بالحضارة الإنسانية ودرس العربية وترك أعماله وتجارته من أجل العمل الإنساني، لقد تحمل نتائج جهده مع أنه مات وحيداً معزولاً في مستشفى مجهول، وهنا تأتي المفارقة بين هؤلاء الذين يعملون بنبل من أجل الإنسانية ويتحملون عدم الإنصاف من جانب المجتمع، وبين آخرين يقتلون البشرية على مرأى ومسمع من العالم ثم يبررون القتل والتدمير بأسباب واهية وساذجة جداً ليخفوا أهدافهم الحقيقية ثم يدعون أنهم يتحملون مسؤوليتهم!
لقد قال ابن خلدون في مقدمته منذ قرون «إن الحرب تولد مع الإنسان وتموت معه» بمعنى أنها حالة إنسانية ستستمر، لكن المخيف في هذه الحقيقة أن الإنسان تحول وتطور مع هذه الحقيقة فأصبح وكأن شغله الشاغل أن يقتل نفسه، ويفني جنسه وبأكثر الوسائل بشاعة.
sultan@dmi.gov.ae