تتزامن راهناً وتتواكب عمليتا إعادة تشكيل وهيكلة واصطفاف وإعداد لبرامج وقيادات ورموز سياسية حزبية في الداخلين الفلسطيني والإسرائيلي. ويفترض أن تنتهي هاتين العمليتين بيومي حسم انتخابي نيابي في الضفة وغزة وإسرائيل بحلول العشر الأواخر من يناير ومارس المقبلين على التوالي. متابعة هذين الحدثين المتوازيين لا تخلو من إثارة وجاذبية.
. فهما من ناحية يبدوان متمايزين ومختلفين، لاعتبارات كثيرة، قانونية واجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية، ليس هنا مقام الإسهاب حولها.
لكنهما، من منظور رؤية أكثر شمولية وإحاطة، يتقاطعان في غير محطة وموضع. مناط الصلة والتقاطع هنا أن التفاعلات الحزبية ومضامين البرامج والخطابات السياسية وعروض الخيارات والتفضيلات على جمهور الناخبين في الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، تستطرد حتماً وحكماً إلى قضايا، بعضها مصيري، تخص الجانب الآخر.
بصيغة أخرى، من المستحيل العثور على قوة، تنافس على الأغلبية السياسية، سعياً إلى تشكيل الحكومة والوصول إلى قمة صناعة القرار، ولا تتطرق برؤى أو بمواقف محددة للعلاقة مع الطرف الفلسطيني.. وعكس ذلك صحيح مئة في المئة بالنسبة للقوى الفلسطينية.
وعليه، نحن مدعوون منطقياً إلى مشاهدة الفيلمين الانتخابيين العتيدين بتذكرة واحدة وفي دائرة العرض ذاتها. هذا إن توخينا الفائدة والنظرة الكلية. في إطار كهذا يجمل بالنظارة ملاحظة إنهم ليسوا بصدد رواية جديدة تماماً في الفيلم الإسرائيلي.
إن صعود وهبوط القيادات الحزبية، والتوالي الحزبي على سدة الحكم عبر ائتلافات يمينية التوجه العام أو يسارية أو مشتركة من اليمين واليسار، بمعانيهما الصهيونية شديدة الاستثنائية، وسقوط الحكومات قبل اكتمال دوراتها وحل الكنيست على غير مواقيته المحددة بالقوانين الأساسية (إذ لا دستور في إسرائيل حتى الآن).
وتقلب النواب بسياسة الباب الدوار وغير الدوار بين الحكومات والأحزاب والكتل، هذه الظواهر ونحوها من عاديات أو كلاسيكيات الحياة السياسية الإسرائيلية.
ما يعنينا من ذلك هو التباين شديد المحدودية بين برامج الجميع إزاء اشتراطات التسوية الفلسطينية. ولإنعاش ذاكرة البعض، ممن ألفوا وأدمنوا تعليق آمال وانتظار جديد فارق بشأن هذه الاشتراطات، لاسيما بخصوص قضايا الحل النهائي، نشير إلى توالي سبع حكومات إسرائيلية منذ مؤتمر مدريد 1991، ثلاث بزعامة العمل ومثلها بزعامة الليكود وواحدة مشتركة بينهما وإن سيطر عليها الليكود بقيادة شارون.
. ولم يحدث على مدار هذه الفترة الممتدة أن فارقت حكومة من هذه السبع ما يعرف بالإجماع الصهيوني تجاه هذه القضايا!. وبالمناسبة، لم يحدث أيضاً أن التقت القوى الحزبية لفلسطيني أو عرب 1948 على برنامج موحد لقائمة مشتركة في أي جولة انتخابية للكنيست.. لا قبل 1991 ولا بعده.
وإذا كانت السوابق تشي باللواحق، فليس ثمة ما يبشر بمفارقة هذا التقليد المنكود بين يدي الجولة الحالية. وإن كنا نأمل في معاكسة هذا التوقع.
يقول البعض انه لم يسبق للقوى النيابية الإسرائيلية الاصطفاف في ثلاث كتل كبيرة كالتي يشهدها العرض الانتخابي الحالي، ببطولة العمل والليكود القديم والليكود المنشق تحت عنوان (إلى الأمام). حسناً، وماذا في ذلك؟
ما الجدوى المأمولة من هكذا مستجد بالنسبة لمشروعات التسوية الإسرائيلية الفلسطينية بالذات؟!. إننا والحال كذلك، بصدد ليكودين يزايد أحدهما على قرينه بهدف النيل من حقوق فلسطينية..
وبصدد حزب العمل الذي كل ما جرى فيه هو التخلي عن قيادة هرمة لصالح قيادة أكثر شباباً وحيوية. علماً بأن الرهان على الفارس الصاعد الواعد بنظر البعض عمير بيرتس، سقط عمودياً وعاجلاً بعد إعلان صاحبنا الولاء للثوابت «الوطنية» تجاه التسوية الفلسطينية. وهو بذلك أطفأ سريعاً الآمال التي روجها الإعلام السطحي حول الاختراقات المنتظرة منه على هذا المضمار.
ثم لماذا لا يُنظر إلى تثليث الكتل الحزبية الإسرائيلية، عوضاً عن ثنائيتها التاريخية، كتحول سلبي معاكس لصيرورة التسوية؟. أوليس التلاقي أو التقاطع بين قطبين بأسهل منه في حال التشظي إلى ثلاثة أقطاب حزبية فأكثر؟.
ألا يوحي هذا المستجد بأن الحياة النيابية، وبالتداعي التكوينات الحكومية، مقبلة على أو مؤهلة إلى مزيد من عدم الاستقرار في إسرائيل، الذي كان دوماً نذيراً بتعطيل هذه الصيرورة وتعريضها للتجمد؟.
سيصاب بخيبة أمل ثقيلة من ينتظر حادثاً سعيداً لعملية التسوية في نهاية العرض الإسرائيلي المبتذل. فلم يتغير شيء يستحق الإنشاد في البنية العقيدية الأيديولوجية أو التكوينات الاجتماعية الاقتصادية داخل الدولة الصهيونية، كي يكون للهدم والبناء الحزبي والنيابي والحكومي العتيد انعكاسات انعطافية فارقة بالنسبة لهذه العملية.
تقديرنا أن العرض الفلسطيني هو الذي ينطوي على جديد وقد يؤول إلى مفاجآت. فالمرة الأولى، ستجرى الانتخابات التشريعية بين يدي ثنائية سياسية حزبية حقيقية تمثلها حركتا فتح وحماس.
بالإضافة إلى بعض منمنمات فصائلية. وهذا حدث إذا ما مضى بلا عقبات تصرفه عن غايته، فسيكون له ما بعده على الخيارات الفلسطينية إن لجهة التسوية أو لجهة الإصلاح الديمقراطي.
ليس قليلاً أن تواجه فتح وهي من هي على رأس النظام الفلسطيني لأربعة عقود بمنافس قوي، أبرز أحلى ما عنده على صعد الشرعية النضالية والسيرة الذاتية بين الناس، وتمكن من إعداد أوراقه ومصوغات ترشيحه وتنظيم صفوفه بانضباط لا تخطئه العين. أين هذه المعطيات مما يعتمل في فتح، سيدة القصر، من تيارات ومماحكات ومدافعات داخلية، لابد أن تؤثر على ريحها وفرصها.
ومن غير المستبعد أن يلقى حضور الإخوان المسلمين اللافت في نتائج الانتخابات البرلمانية المصرية، في توقيت غير بعيد عن رصيفتها الفلسطينية بالجوار اللصيق، بظلاله وأصدائه على اللوحة السياسية في الضفة وغزة.
السؤال الذي يراودنا بالخصوص، أنه إذا كان الإخوان قد بلغوا ما بلغوه في النموذج المصري وهم حركة محظورة ولعلها محاصرة، فكيف الحال بهم في الساحة الفلسطينية المشرعة أمامهم بكل المعاني (إذا استثنينا الغضب الإسرائيلي عليهم الذي نحسب أنه يزيدهم شهرة وشعبية!)؟
لا يخفى على بصير أن اقتطاع حماس ومن يتلاقى معها على بعض طروحاتها لنصيب كبير من المؤسسة التشريعية، لن يكون مناسبة عابرة ولا مجرد متغير سهل التجاوز بالنسبة لسياسة التسوية الفلسطينية.
ومن يدري لعل المعنيين يجدون أنفسهم وقد أصبحوا في اليوم التالي للانتخابات الفلسطينية وجهاً لوجه أمام خلفاء أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي ومن اهتدى بهديهم السياسي من الورثة!.. عندئذٍ، ربما يقول البعض إن خلفاء ياسر عرفات في فتح لم يخذلوا ثوابته في حياته، فما بالنا وورثة وصايا ياسين والرنتيسي؟
الراهن، أن السباقات الانتخابية على جانبي تل القضية الفلسطينية تجري في أجواء مثيرة. يسابق الإسرائيليون بعضهم بعضا وعيونهم على الفلسطينيين. وكذلك يفعل الآخرون بالنسبة للإسرائيليين.
هذا مع أن حسم التسوية قد لا يكون ممكناً إلا عبر مداخلات فاعلة مشفوعة بشيء من الإنصاف للطرف الفلسطيني، تضطلع بها أطراف ثالثة، لابد أنها تراقب المتسابقين هنا وهناك وتتأمل في حصاد الأمر كله وتداعياته على المجالين الإقليمي والدولي..
كاتب وأكاديمي فلسطيني