تعدّ تجربة التكتّل الاقليمي بين دول مجلس التعاون الخليجي من التجارب العربية الناجحة سواء على مستوى التأسيس او الديمومة مقارنة بتجارب عربية أخرى سبقتها أو لحقت بها وكلها ماتت ولم يبق في الميدان برغم العواصف والازمات الا إياها، إذ حافظ المجلس على وجوده منذ تأسيسه في العام 1981 وحتى اليوم.

واعتقد ان سيرورة هذا المجلس منذ تأسيسه حتى اليوم ومرور 25 سنة على ذلك انما يعود اساسا الى تماثل النظم السياسية ومقاربة مصالحها العليا وحصافة حكامها منذ ان اجتمعوا في ابو ظبي ليؤسسوا هذه «الفكرة» التي كان من ورائها الزعيم الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان..

وكلنا يعرف اسباب قيام هذا «التكتل» الذي ولد في ظروف أمنية معقّدة، وبقي يدرأ الاخطار التي عصفت بالمنطقة لاكثر من عشرين سنة، أي كانت استمرارية الظروف وتعقيداتها وراء حيوية المجلس، وبالرغم مما احرزه هذا المجلس عن مستوى الامن والاقتصاد والثقافة والمجتمع والمتابعة.

إلا ان ثمة اختلافات كانت تبدو واضحة في سياسات الدول المشاركة واستجابة كل دولة لمتغيّرات المرحلة وموقف كل دولة من القضايا الدولية، أو تلك المتعلقة بدول الجوار، ناهيكم عن المواقف من القضايا المحلية والاقليمية والعربية.

دعوني احلل اليوم بعض الرؤى الجديدة بعد مرور 25 سنة على التأسيس ولماذا نجح المجلس في سيرورته التاريخية ؟ ثم نحاول الإجابة على سؤال المستقبل : هل سيعيش هذا التكتل لربع قرن آخر ؟ وما اسباب وعوامل تطوره من داخله نحو آفاق جديدة من العمل في المستقبل ؟

ثمة عوامل وراء ديمومة المجلس، ذلك ان آليات التعاون والخصائص السياسية المحلية المتشابهة بين نظم دول الخليج، كانت وراء الاستمرار مقارنة بفشل معظم التجارب الوحدوية والكتلوية العربية، ناهيكم عن الدور الفاشل وغير المقنع لجامعة الدول العربية الذي يتوضّح على امتداد اكثر من خمسين سنة.

ولا يتسع المجال في هذا «المقال» ان أحصي إنجازات المجلس في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكنني سأعتني بالتركيز على كل من التحديات والرؤى المستقبلية.

التحديات السياسية والأمنية

لم تشهد المنطقة الخليجية منذ تأسيس المجلس استقرارا سياسيا، إذ ولد المجلس في خضم تحديات عاصفة بعد اندلاع حرب الخليج الأولى التي استمرت حتى نهاية عقد الثمانينات في القرن العشرين تلتها فترة عاصفة بغزو الكويت واندلاع الحرب الخليجية الثانية واستمرت التوترات والتحديات الامنية طوال العقد الأخير من القرن العشرين وانتهت بسقوط النظام العراقي السابق.

لقد كانت المنطقة تدخل في ازمة وتخرج من اخرى في ظل الوجود الأميركي مع ارتفاع موجة الارهاب بعد 11 سبتمبر 2001 ناهيكم عن تشظيات السياسات العربية وخلق تحديات إضافية لدول المجلس.

ولعل من اهم ما يشغل بال كل الخليجيين منذ زمن طويل ما يتعلق بمشكلات الأمن القومي، إذ انّ التحدي الأمني الذي قام من أجله مجلس التعاون الخليجي مازال يتصدر الأجندة السياسية في الخليج العربي.

ان دول مجلس التعاون الخليجي تحرص جميعها على بناء علاقات سياسية ناضجة مع المجتمع الدولي، وان علاقاتها جميعا بالولايات المتحدة الاميركية على افضل ما يكون ناهيكم عن علاقاتها بالدول العربية والإسلامية.

ولعل من ابرز الإنجازات السياسية لمجلس التعاون الخليجي انه يتجاوز كل الخلافات السياسية والاعلامية والحدودية ولا يتبع اي سياسة حرب باردة بين الفرقاء، فضلا عن الاحتكام للعقل دوما والعمل على حل المشكلات داخل اروقة المجلس من دون اشراك اي طرف عربي او اقليمي او دولي لحلّها.

لقد كان - مثلا - التجاء البحرين وقطر إلى محكمة العدل الدولية لحل الخلاف الحدودي بينهما والذي انتهي لصالح البحرين ليس «مؤشرا على ضعف البيت الخليجي في حل قضايا أبنائه الكبيرة»

- كما وصف ذلك احد المحللين السياسيين العرب -، إلا ان ذلك كان امتثالا جماعيا للخليجيين لصوت العقل واللجوء الى مؤسسة دولية مرموقة لتفصل قضائيا بكل هدوء في مشكلة حدودية، وقد تقبلها كل فريق بمنتهى الشفافية.. فهل باستطاعة العرب ان يتعلموا كيف يعمل العقل السياسي بعيدا عن الهوس والهياج السياسي ؟؟

ان كل ما يشغل بال العرب لا التفكير في تجارب الخليج السياسية التي وحدّها مجلس التعاون، بل إطلاق الاتهامات التي لا اساس لها من الصحة.

المنجزات الاقتصادية

لقد حقق المجلس جملة من المنجزات الاقتصادية التي تعد علامات فارقة في تاريخ العرب، ومهما تحقّق منها فهي بداية لطريق طويل امام ولادة تكتل حيوي وناضج في عصر التكتلات، اذ تبرز التسهيلات بشكل واضح كتلك التي تمت بين الاعضاء من حيث الضرائب والجمارك وحرية الحركة وتسهيل حرية المرور والسلع بين دولهم.

بالإضافة إلى قيام عدد من المشاريع الاقتصادية والحيوية المشتركة بينها. واستطيع ان اسجل بعض الملاحظات من خلال مراجعتنا للإنجازات الاقتصادية لدول المجلس:

ـ كان تشابه اقتصادات دول المجلس قد جعل الفائدة من المشروعات المشتركة ليس لها أي جدوى اقتصادية من حيث حسابات الكلفة والمنفعة، فمعظم تلك الاقتصادات تعتمد بشكل كبير على عوائد النفط .

ولكن ثمة مشروعات مشتركة حتى وان كانت تركز على الجوانب الاستهلاكية، وإن العوائد التنافسية غير واردة، لكن أخذت تحقق نموا مضطردا وكبيرا وخصوصا على مستوى الاستثمارات والتجارة الدولية.

ـ أخالف بعض الاخوة الكتّاب العرب الذين ينطلقون في تحليلاتهم من زاوية نظر محددة ولأسباب معروفة بادعائهم بالتبعية اقتصاديا للعالم الخارجي وان دول المجلس ليس لديها اي منتجات تعتمد فيها بعضها على بعض..

فأقول : بأن كل الاتفاقيات البينية بين دول مجلس التعاون لها قيمة اقتصادية، لأنها في بداية الطريق، وان هناك حركة تبادلية للعديد من المصنوعات الممتازة التي لا يمكن ان نجدها في اماكن أخرى، وستزداد العلاقات نموا بعد ان يتحقق توحيد العملة الخليجية والانخراط في اقتصاد السوق.

ـ لقد بدأت أكثر من دولة خليجية تنوع في مصادر الدخل بالرغم من الاعتماد في جل ميزانياتها على الموارد النفطية، ويبدو ان امارة دبي بشكل خاص ودولة الامارات عموما قد نجحت تجاربها الاقتصادية سواء على مستوى التجارة او توليد الاستثمارات.. ويشهد سوق الاستثمارات في دول مجلس التعاون نموا مطّردا..

إنني اعتقد بأن ما تحقق من الإنجازات الاقتصادية لمجلس التعاون الخليجي هو اكبر بكثير مما حققته دول عربية أخرى، وان ما تحقق خليجيا من المشاريع المنتجة هو علامة ايجابية لفتح ابواب المستقبل.

وان أي اتفاقيات بين الاعضاء ستعمل على مواجهة التحديات، وخصوصا بالنسبة لأبرز مشكلة مشتركة هي العمالة الأجنبية. واعتقد ان ما سينجز في السنوات الخمس التالية وحتى 2009 سيكون كبيرا بالنسبة للاتحاد الجمركي والعملة الموحدة التي اتمنى ان ترى النور عاجلا ام آجلا.

المجلس والقوى الإقليمية والدولية

ستبقى العلاقة مع ايران مضطربة لاسباب عدة، فالموقف الايراني معروف من المجلس ومن الموقف الخليجي من الحرب العراقية الإيرانية. أما العراق، فلقد كانت الثقة مع النظام السابق مهزوزة فلم يدخل العراق عضوا في المجلس.

ولقد افتقدت الثقة تماما بعد غزو العراق للكويت عام 1990، وبعد سقوط النظام العراقي يعمل الطرفان على استعادة الثقة من اجل ترسيخ الامن والاستقرار. اما اليمن، فان بعده الجغرافي عن منطقة الخليج ووضعه الاقتصادي لن يسمحا له ان يدخل عضوا شريكا.

لقد أدى الوجود الأميركي في المنطقة دورا مهما في اسقاط نظام صدام حسين وازالة التهديد الذي كان يخشاه الخليجيون من العراق، فضلا عن ان الوجود الاميركي قد بدأ منذ اندلاع الحرب العراقية الايرانية. وبالتالي فقد استطاعت دول المجلس ان تتخلص من خلال الوجود الاميركي من قوتين اقليميتن كانتا تشكلان خطرا عليها.

وهذا قد عزز إلى حد كبير من استمرارية المجلس اولا، وتمتين العلاقات في بينها ثانيا، والاتفاق مع سياسات الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة ما دامت تلك السياسات تتفق ومصالح دول المجلس. ولكن ثمة نقطة مهمة ان المشاركة والعضوية بقيت حصرا في دول المجلس الخليجية من دون تدخّل اي دولة كالولايات المتحدة او غيرها اعضاء في المجلس.

بعد أحداث سبتمبر 2001

كان للأحداث التي وقعت في الولايات المتحدة الأميركية في 11 سبتمبر 2001 آثار وتحديات على دول المجلس. ولقد انعكست اضرارها على بعض تلك الدول، خصوصا وان اتهامات قد وجهت لبعض الخليجيين.. ومنذ ذلك الوقت بدأت بعض الاعمال الارهابية وخصوصا في المملكة العربية السعودية والكويت بفعل الكراهية للولايات المتحدة الاميركية..

وبدأت المطالبة باجراء تغييرات في مناهج التدريس والتعليم الديني والانفتاح الثقافي والسياسي. ولقد بدأت ملامح الاصلاحات السياسية في اكثر من دولة خليجية وخصوصا بعد سقوط النظامين السابقين في أفغانستان عام 2002 وفي العراق عام 2003.

استنتاجات : رؤية مستقبلية

لقد كانت تجربة مجلس التعاون الخليجي رائعة وناجحة وتبلورت جملة من المنجزات السياسية والدستورية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية..

كما وكانت وراء تحقيق الأمن والاستقرار ابان مرور الأخطار الاقليمية على امتداد ربع قرن من الزمن. وان الضرورة لم تزل موجودة لابقاء المجلس وتطوير آليات العمل فيه، وإبعاد شبح التفرقة بين الاعضاء وحلّ اي مشكلة بالحوار الحضاري من اجل ضمان الاستقرار في البلدان الخليجية.

ان الخطر الايراني لم يزل يمّثل هاجسا خصوصا وان ايران لم تزل محتلة للجزر الاماراتية الثلاث. وارى ان استقرار الوضع في العراق سيزيد من مقاربته لدول المجلس كونه بلدا غنيا وبحاجة الى الخدمات والاستثمارات الخليجية.

وان تطور المجلس الى كتلة اقتصادية حيوية سيجعلها تتعامل مع العالم تجاريا واستثماريا وتطوير السياحة الشتوية الخليجية.. وان الضرورة باتت ماسة لبعض دول المجلس ان تبدأ عمليات اصلاحات جوهرية وخصوصا في التعليم وما يخص المرأة وتشريع قوانين جديدة تفتح الابواب على العالم..

كما وان هناك مهمة خطيرة ومشتركة تتمثل بالتعاون الحقيقي للوقوف ضد الارهاب واجتثاث عوامله الصعبة. فضلا عن التعاون في مجال وضع علاجات للعمالة الاسيوية وتأثيراتها الخطيرة على المجتمع.

وأخيرا اقول، بأن تجربة مجلس التعاون ستزدهر بشكل كبير نظرا لحاجة كل عضو من اعضاء المجلس الى الآخر في خضم تحديات القرن الواحد والعشرين.. ونتمنى التقدم والتوفيق لهذه المنظومة العربية الحية وان تكون مثلا يحتذى لبقية البلدان العربية ودول عالم الجنوب في عصر العولمة.

مؤرخ عراقي