الثور الأبيض ـد. محمد سلمان العبودي

الثور الأبيض

مازالت الدوائر تتربص بالنظام السوري ومن يتصل به من كل جهة، والخناق يزداد يوما بعد يوم، والمؤامرات تلو المؤامرات، وآخرها اغتيال النائب اللبناني والإعلامي جبران تويني.

لقد وصل الخط الأحمر امتداداً من كابول ـ (طهران في الدائرة الصفراء وستكون دون أدنى شك المحطة القادمة) ـ إلى بغداد (انتهت العملية بفشل ذريع) ـ ونحن اليوم في العاصمة دمشق ـ باتجاه بيروت!

وعلى سكان تلك المناطق شد الأحزمة! والاستعداد للمرحلة القادمة والتي ستكون طويلة وربما أبدية، وعليهم ألا يتصوروا أنها (أزمة وسوف تزول)، فأزماتنا من النوعية الدائمة والمعقدة .

والتي قد تستمر قرونا دون أن يتوصل أحد إلى حلها. فتصريحات رئيس الاستخبارات (الإسرائيلية) بأن ما يجري في المنطقة خلق بيئة استراتيجية مريحة لـ (إسرائيل) وتأكيده على ضلوع السياسة الـ (إسرائيلية) في صياغة ما يجري في المنطقة يدل على مدى خطورة المرحلة القادمة.

أما بيروت التي فجعت الاثنين الماضي باغتيال النائب جبران تويني فيبدو أنها بدأت تغوص شيئا فشيئا في الفتنة الداخلية. وستتحول إلى بغداد أخرى ولكن دون تدخل القوات الأجنبية مباشرة هذه المرة. فاللبنانيون يملكون خبرة طويلة في الاقتتال فيما بينهم والقضاء على بلدهم. ولكن هذه المرة سيكون سيناريو الاقتتال بحماية ووصاية دولية!

وعليهم أيضاً ألا يخلدوا إلى النوم باعتبار أن ما يحصل في لبنان ما هو إلا مجرد أزمة مؤقتة أو أن الشعب اللبناني قادر على إيقاف الفوضى التي بدأت باغتيال الحريري وخروج سوريا من لبنان والاغتيالات الإعلامية واليوم اغتيال تويني، فهناك من يرغب في القيام بتسييس الفوضى وجعلها دولية!

إن اللبنانيين نسبة إلى خبرتهم الطويلة سياسيا وإعلاميا أذكى من أن يقعوا في الفخ المنصوب لهم. وإذا كانت هناك جهات تريد أن تنتقم من سوريا بعد سنوات وجودها على الأراضي اللبنانية (رغم كل ما يمكن أن يقال عن ذلك الوجود سلباً أو إيجاباً) فإن عليها أن تفعل ذلك دون أن يقع في رأسها الفأس.

فإن تدخل الولايات المتحدة الأميركية في الشؤون اللبنانية لن يكون بأفضل من تدخلها في الشؤون العراقية! ولا يشك أحد في أن اللبنانيين بجميع طوائفهم يعلمون جيداً أن مقتل الحريري كان مدبراً لإخراج سوريا من لبنان، وإن إخراج سوريا من لبنان كان هو بدوره أيضاً مدبراً للقضاء على المقاومة اللبنانية المتمثلة في حزب الله في الجنوب، وإن هدف القضاء على حزب الله هو أيضاً مدبر للقضاء على لبنان بأكمله.

وإن القضاء على لبنان هو أيضا مدبر لأجل التهامه بشكل أسهل ودون خسائر بشرية من جانب العدو. وجميع الشعب اللبناني الجاهل والعارف يعلم أن جميع هذه المؤامرات خلفها دولة واحدة!

وهي الدولة الوحيدة المستفيدة من مقتل الحريري وليس سوريا، وهي الدولة الوحيدة المستفيدة من خروج سوريا وليس الشعب اللبناني. وجميع الشعب اللبناني مطالب اليوم بإعادة قراءة ماضيه الحديث وحكاية (أُكلتُ يوم أُكلَ الثور الأبيض). فربما من خلال هذه القصة ـ الحكمة القصيرة ننقذ شعبا على حافة الانهيار.

أياً كان الأمر، فإن اغتيال تويني لن يكون آخر اغتيال، لأنه لم يكن أول اغتيال في تاريخ لبنان. والشخصيات التي اغتيلت في لبنان عبر الزمن تعتبر من أهم الشخصيات التي تشكل رموز تطور وحرية لبنان الفكري والثقافي والاقتصادي والعقائدي. أليس مثاراً للدهشة أن لا نسمع عن اغتيال خائني الوطن اللبناني؟!

إن الاستسلام للدول الكبرى ووضع مصير لبنان بين يديها لكي تتولى الوصاية عليه من أجل حل خلافاته والبت في قضاياه والحكم على الجرائم التي ترتكب على أرضه يعتبر مسألة أكثر من خطيرة وتحتاج لوقفة من قبل الشعب اللبناني!

أما سوريا، فهي أكثر تعقيداً من جارتها لبنان! وهي تقع اليوم في الخطأ نفسه الذي وقعت فيه العراق قبل سنوات. فهي أيضاً في حالة استسلام سلبي. فهي أيضاً أصبحت تقدم التنازلات بعد التنازلات لكي تبعد عن نفسها الشبهة التي التصقت بها أو ألصقت بها رغماً عنها.

وعلى الرغم من الخطاب المليء بالمشاعر القومية والأنفة والعزة الوطنية الذي ألقاه الرئيس بشار الأسد قبل فترة قصيرة كرد على الاتهامات التي أصبحت تحاصره من كل جهة: حتى من جارته لبنان. لقد كان أحرى بالرئيس بشار الأسد التعامل مع الرئيس جورج بوش تماماً كما تعاملت معه كوريا الشمالية وإيران.

فالكل يعرف أن الرئيس جورج بوش يحترم ويقدر جيداً ويحسب حساب الدول التي لا تهزم نفسياً! وذلك لسبب بسيط جداً يتمثل في كون الولايات المتحدة الأميركية غير قادرة على كسب أي حرب بعد اليوم. فبعد أن خسرت جميع الحروب التي شنتها بدءا من حرب فيتنام وصولاً إلى حربها في العراق، فإن حربها المقبلة لن تتعدى الحرب النفسية لا أكثر!

خاصة بعد تذمر الشعب الأميركي من ازدياد أعداد القتلى بين جنود المارينز إضافة إلى انحطاط شعبية بوش الذي نصب نفسه زعيماً وطنياً لمحاربة الإرهاب الدولي في دولة كانت آخر دولة تفكر في إرهاب أو زعزعة أمن الولايات المتحدة الأميريكية: العراق!!

لقد تمنينا أن يقف الرئيس بشار الأسد أمام الجميع ويعلن بكل قوة: نحن لم نقتل أحداً أو يعترف بجرأة: إننا مسؤولون عن اغتيال رفيق الحريري بهدف الدفاع عن مصالحنا الوطنية السورية تماماً كما تفعل الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في الدفاع عن مصالحها القومية.

واننا لن نستقبل أي لجنة تحقيق أياً كان مصدرها وأياً كان رئيسها، ولن نعترف بها والذي يفكر في أن يعتدي على 18 مليون سوري وحضارة عمرها آلاف السنين فليتفضل!

كنا نتمنى لو أنه طلب في خطابه تشكيل لجنة دولية في المقابل لمحاكمة الرئيس الذي تسبب في مقتل أكثر من مليوني عراقي في غضون 4 سنوات إضافة إلى أكثر من ألفي جندي أميركي اعتماداً على معلومات مغلوطة قدمتها إليه إدارة الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية!!

ولكن خوفنا على أرواحنا يسيطر على كيفية اتخاذ مواقفنا أحياناً! وللأسف شرعت سوريا الأبواب لجميع اللجان الممكنة وأعلنت تعاونها إلى درجة موافقتها على إجراء التحقيق مع السوريين المشتبه بهم خارج أراضيها!! بل وأبدت استعدادها التعاون كيفما كان وأينما كان! لقد أكل الأسد الثور الأبيض أولاً: والآن بدأ يتآمر على الثور الأسود!

dralaboodi@gmail.com

جامعة الامارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات