«غروب الطاقة» أحد الكتب المهمة جداً التي طرحت السؤال الأهم في الولايات المتحدة والغرب والعالم كله ربما، والذي مفاده: أين سنكون عندما ينفد النفط؟ وقد عالج الكاتب ريتشارد هاينبرغ موضوعه عبر الوثائق والأدلة والأرقام، طارحاً عدة سيناريوهات يمكن بواسطتها تجنب الجنون والفوضى الشاملة التي من الممكن حدوثها ترتيباً على معضلة نضوب النفط، ذلك أن نضوب الموارد مترافقاً مع زيادة أعداد السكان هما الطريق للهلاك الحتمي، كما يراه المؤلف.
وعليه فإن أول السيناريوهات التي يطرحها الكتاب بصراحة أمام المجتمعات الصناعية هو سيناريو الدم مقابل النفط كسبيل للتدافع على ما تبقى من موارد، وهنا تأتي الحالة العراقية كمثال ساطع على هذا التدافع الذي تقوده الولايات المتحدة، ذلك أن العراق هو المعركة الأولى في الحرب العالمية الرابعة، وهذا يدحض تماماً كل الكلام المتهافت الذي تقول به الإدارة الأميركية حول الخلاص من الطاغية ونشر الديمقراطية والحرية.
في الحقيقة فإن الكتاب يطرح الأهداف الحقيقية لغزو العراق على الشكل التالي: في مواجهة معضلة نضوب الطاقة، فإن السيطرة على موارد النفط في الشرق الأوسط لم تكن وليدة الحادي عشر من سبتمبر، كانت قبل ذلك بزمن، لكن العراق كان الحالة الأكثر ملاءمة والأسهل اختراقاً، فكل العوامل فيها تيسر تنفيذ المخطط.
إذن فالولايات المتحدة ستغزو بغداد، ومن ثم تنصب فيها نظام حكم موالياً لها، يتوافق مع مصالحها، ثم تقوم بتسويق فكرة التقسيم أو الدفع إليها بكل الوسائل، إلى أن يتحول العراق إلى كانتونات حكم محلي مطواعة لكل من الأكراد والعرب والسنة والشيعة.
وبذلك يقصم الظهر الأكبر والمستهدف: منظمة أوبك والمملكة العربية السعودية، وذلك بعراق مطواع يحوي قواعد أميركية عملاقة ودائمة، على مرمى حجر من أضخم حقول النفط في العالم!
العراق المطواع هذا بدأ يعلن ببساطة أن العلاقات مع إسرائيل ليست مستبعدة، في الوقت الذي يصرخ فيه الرئيس الإيراني نجاد بكل قوته ضد «إسرائيل» وهنا فإن القواعد لن تكون قريبة من حقول النفط فقط، ولن تؤمن نفط العراق فحسب، لكنها ستكون قاب قوسين من إيران وسوريا وأما تكاليف ذلك كله فإنها ستتم تغطيته من بيع نفط العراق في السوق العالمي.. وعليه فالكل سيذعن ويأتمر وبلا نقاش.
العراق مدخل للحرب على الإرهاب والقضاء على تنظيم القاعدة لتأمين مصادر النفط وحمايتها من الإرهاب الأصولي، كما تدعي أميركا، على اعتبار أن هناك علاقة وثيقة بينه وبين مصادر الطاقة إضافة للسبب الأهم وهو المحافظة على هيمنة العملة الأميركية التي أعلن العراق عام 2000 أنه لن يبيع نفطه بعد الآن بالدولار بل باليورو، ما جعل دولاً تحذو حذوه، منها إيران وفنزويلا وماليزيا..
يومها كانت روسيا تروج للفكرة بشكل مماثل ولو حصل وتحولت الأسعار إلى اليورو فإن كارثة أشرس من 11 سبتمبر ستهوي بالاقتصاد الأميركي جاعلة الاستثمارات تهرب بعيداً إلى أوروبا، وأسعار العقارات تصير إلى الحضيض. وفعلاً فمنذ أن غزت الولايات المتحدة العراق والعراق يبيع نفطه بالدولار.. وبالدولار فقط!
ومع أن الحصيلة في العراق مأساوية إلا أن الولايات المتحدة نجحت وبجدارة وأكثر من أي وقت مضى في إظهار قوتها وأسلحة الفتك التي استعرضتها وجربتها في العراق.
وربما تأتي الانتخابات بنتائج تعدل بعض الشيء من أخطاء تطبيق السيناريو لكن الحقيقة أن الدم مقابل النفط هو السيناريو الذي اختارته أميركا من دون غيره من السيناريوهات المطروحة!
sultan@dmi.gov.ae