لبنان بؤبؤ عين العرب، وسويداء قلوبهم حمل رجاله راية النهضة العربية في القرن التاسع عشر، وأبوا أن تكون نهضتهم إلا عربية إسلامية، طالبوا باللامركزية للبلدان العربية مع الحفاظ على الإمبراطورية ووضعوا على رأس أهداف النهضة إحياء اللغة العربية وإدخالها لغة أساسية في التعليم المدرسي وفي المحاكم وإدارة الدولة فضلاً عن مطالبهم الإصلاحية العديدة الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وكان مسيحيو لبنان قبل مسلميه يؤمنون بالإحياء القومي العربي، الوطني والثقافي، فهم من أنذروا وقالوا (تنبهوا واستفيقوا أيها العرب) وهم من ساهموا بفعالية في حمل راية القومية العربية، ومشهور شعارهم الأثير (الدين لله والوطن للجميع) وإن العروبة انتماء نهائي لهم باعتبار أن معظم مسيحيي لبنان ينحدرون من قبائل عربية (وخاصة من القبائل اليمنية) وآمنوا دائماً أن حاضرهم ومصيرهم ومستقبلهم يرتبط بأهلهم في بلاد الشام ومصر وبلاد العرب وليس في الغرب، وعندما شاركوا بفعالية في مقاومة حكم السلطنة العثمانية الفاسد الاستبدادي وأعدم خيرة مناضليهم ومثقفيهم مع رفاقهم المسلمين إنما كانوا يقاومونه لأنه يرفض الإصلاح والتطوير والتجديد واحترام حقوق شعوب السلطنة ومنها الشعب العربي، ولأن سياساته تعمق التخلف الثقافي والاقتصادي وتنشر الفساد وتضعف الدولة واستطراداً تضعف الإسلام نفسه وتوظفه لمآرب السلاطين العثمانيين.
ومن يقرأ تراث النهضة العربية الثقافي من مقالات ودراسات وكتب وموسوعات وهو ما خطته أساساً أقلام النهضويين العرب اللبنانيين ويطلع على تراثها السياسي من نواد وجمعيات وغيرها - وعمادها النهضويون اللبنانيون - يدرك عمق فهمهم لحركة النهضة وإيمانهم بالعروبة ودفاعهم عن الإسلام وسعيهم الحثيث لتجديد خطابه وتنقية تراثه ونفض الغبار عن كل ما لحق به خلال القرون، وخاصة تلك الاجتهادات والتفسيرات الخاطئة والمضرة بالإسلام نفسه. واستمر لبنان طوال القرن العشرين حاملاً شعلة الثقافة العربية، وملجأ حاضناً لمناضلي العرب ومثقفيهم.
نلمس اليوم لمس اليد تراكم ظروف وأحداث سلبية في لبنان من شأنها إضعاف دوره التاريخي وخاصة دوره النهضوي والثقافي وزيادة عدم استقراره السياسي والاجتماعي، وربما تؤدي إذا استمرت إلى هجرة قسم من مسيحييه إن لم يكن معظمهم إلى الخارج، وستحل عندها كارثة حقيقية ليس على لبنان فقط ولا على مسيحييه فحسب بل على الأمة العربية، التي تعايش المسلمون والمسيحيون على أرضها طوال مئات السنين، ولم تستطع حتى غزوات الفرنجة (الصليبيين) أن تفقدهم الرؤية الحقيقية والجادة والمسؤولة بعضهم تجاه البعض الآخر، وحافظ كل منهم على أخيه ولم تخدعه لا شعارات الفرنجة ولا ممارساتهم التي فشلت في بدايتها والمنتهى وطوال قرون من فصم اللحمة بين العرب مسلمين ومسيحيين أوحتى بث الفرقة بينهم، وها هم اليوم في عصر ثورة المعلومات والمعرفة يواجهون بداية شرخ في جسم الأمة يزداد ويتسع ويُخشى مع هذا الاتساع أن تقع الواقعة وتخسر الأمة أبناءها المسيحيين وتخسر معهم تنوعها الثقافي والديني والحضاري وهي خسارة مفجعة للجميع.
كانت الطائفة السنية طوال القرن العشرين تشكل الملاط الذي يبقي الجسم اللبناني متماسكاً صلباً قويا منسجماً، فلم تفرط بوحدته بعيد قيام لبنان الكبير، وقبلت التسوية التاريخية فيه بشرط وحيد هو الحفاظ على انتمائه العربي، وأكدت هذه التسوية بميثاق (1943) وسياسة (لاغالب ولا مغلوب) وكانت ذات موقف سياسي متوازن خلال ثورة (1958) ولم تنجرف باللعبة الطائفية المحلية، وكان زعماؤها خلال الثورة منقسمين بين هذا الطرف أو ذاك انقساماً سياسياً، وبقيت دائماً العامل الرئيسي الذي يؤسس لوحدة لبنان ويحافظ على هذه الوحدة وينكر ويستنكر الطائفية السياسية، والموقف نفسه اتخذته خلال الحرب الأهلية (1975) حيث رفضت الطائفة السنية حمل السلاح وتشكيل الميليشيات المسلحة، باستثناءات قليلة، وذلك كله لأنها تشعر بمسؤوليتها التاريخية تجاه وحدة لبنان واستقلاله، ولكن ولسوء الحظ نرى اليوم وجود بدايات (مهما كانت خجولة) لتحويل الطائفة السنية إلى طائفة متكاملة الشروط والتكوين، وتسعى لجعلها فصيلاً طائفياً صرفاً كغيرها مما يفقدها دورها الأساس في التوازن السياسي اللبناني، ويفقد لبنان العامل الذي يحافظ على وحدته وانسجامه وتعايشه السياسي والاجتماعي، وهذا لو حصل يشكل كارثة على الطائفة السنية بالدرجة الأولى وعلى لبنان بطوائفه كلها وتنوعاته كلها.
إن الأمر الطبيعي السوي هو أن تشكل وحدة لبنان الوطنية المرجعية الأساس والعامل الحاسم للحفاظ على استقلاله وبقائه وتطوره وازدهاره، ولكن ولسوء الحظ، ولأسباب شديدة التعقيد، لم تصل الفئات اللبنانية السياسية والطائفية إلى توافقات كافية لقيام مثل هذه الوحدة التي تحمي لبنان واللبنانيين، كما عجزت قوى الوصاية الأجنبية عن صون وحدته وستعجز مستقبلاً أيضاً ولم تستطع السياسة السورية خلال ثلاثة عقود أن تحقق هذا الهدف، وهانحن نشهد بداية العاصفة تهب على لبنان بؤبؤ العين وسويداء القلوب، ولم يبق كما يبدو سوى اللجوء إلى المرجعية العربية الجادة والمسؤولة، لتحل محل بدايات الوصاية الأجنبية، وتساعد القوى اللبنانية على توافقات تؤسس لوحدة وطنية صلبة، واضحة الأهداف والوسائل، قادرة على مواجهة صعوبات لبنان الحالية والمحتملة، وإعادة اللحمة بين بنيه والتعايش بين طوائفه، وعندها فقط يحمي لبنان نفسه بنفسه ويمتن نسيجه الاجتماعي ويعود لممارسة دوره التنويري، ويصبح حاضناً للحركة القومية والثقافة العربية، ويحافظ مسيحيوه ومسلموه على عيشهم المشترك وتعايشهم المشترك، ويتخلصوا من بوادر الخلاف الذي قد يفجر اختلافات لا يحسمها شيء، ومن شأنها أن توصل لبنان وقواه السياسية والطائفية إلى الانتحار، أو على الأقل إلى هجرة البعض وتردي حال البعض الآخر، وتكون الأمة قد وقعت بخسارة لا يعوضها أي نجاح آخر.
يبدو أن المرجعية العربية، سواء اكانت مبادرة من الجامعة العربية أم مبادرة من دول عربية فاعلة هي الوحيدة المؤهلة الآن لتخليص لبنان من الوصاية الأجنبية الفعلية تحت أي شعار جاءت، وتمهيد الطريق لبناء وحدته الوطنية، وتجنيبه تناقضات جديدة لن تحمد عقباها هذه المرة، ولم يعد هامش (اللعبة) يسمح بأي خطأ، ورغم أن اللبنانيين بفئاتهم وطوائفهم وشرائحهم الاجتماعية كلها أثبتوا أكثر من مرة أنهم قادرون على النهوض من تحت الأنقاض إلا أن أنقاض أيامنا ثقيلة وقد تغرقهم تحت ردمها. إنه لمن المهم مساعدة لبنان على تفادي التناقضات الداخلية والوصاية الخارجية، وتعزيز وحدته الوطنية مرة وإلى الأبد، والحفاظ على تنوعه المحمود. ولاشك أن مسؤولية العرب كبيرة في هذا المجال وخاصة جامعتهم ودولهم ذات النفوذ، ولم يعد الرهان على الزمن يفيد أحداً.
كاتب سوري