كَثر الحديث في الولايات المتحدة، خصوصأً في الآونة الأخيرة، على المستويين الرسمي والشعبي، حول مستقبل الوجود العسكري الأميركي في العراق، فالرأي العام، يسلط ضغوطاً متصاعدة، على الإدارة الحاكمة، للإسراع باتخاذ القرار بشأن عودة القوات العاملة هناك. وتقدم الإدارة الحاكمة، من جانبها، الوعود حول قرب البدء بتخفيض عدد هذه القوات. كما أن ضغوطات أخرى، تمارس من قبل أعضاء في الكونغرس، وفي مجلس الشيوخ، ومن داخل الحزب الجمهوري الحاكم نفسه، تصب في هذا الاتجاه.
فقد طلب أحد النواب الجمهوريين (دون مانزولو)، في شهر أكتوبر الماضي، أن تبدأ الإدارة الأميركية، بتقليص عدد القوات العاملة في العراق، بعد الانتخابات النيابية العراقية، التي جرت يوم أمس، وأشار بأنه آن الأوان، لوضع جدول للانسحاب التدريجي من العراق. أما ماذا يعني بالانسحاب التدريجي، على وجه التحديد، فذلك أمر مبهم بعض الشيء.
وتتعرض الإدارة الأميركية كذلك، إلى عاصفة إعلامية، مسلحة بالأرقام التي تجسد حجم الرفض، لدى الرأي العام، لبقاء القوات في العراق. فقد أجرت، محطة سي بي إس، استبياناً للتعرف على آراء الأميركيين، حول بقاء قواتهم في العراق، اتضح منه أن ستة أشخاص، من بين كل عشرة، يفضلون انسحابها، بأسرع وقت ممكن.
كما أن عدد العراقيين الرافضين للوجود الأجنبي، والمستائين من ممارسات أفراده، التي لا يطالها أي قانون، يتزايد باستمرار. فوفق ما ذكرته صحيفة «الديلي تلغراف» اللندنية، أجرت وزارة الدفاع البريطانية، دراسة ميدانية، وجدت من خلالها، أن خمساً وأربعين في المئة من العراقيين، يعتقدون بأن استهداف قوات التحالف، له ما يبرره، في بعض الأحيان، كما أن اثنين وثمانين في المائة، من الذين اشتركوا في الاستبيان، يعارضون بشدة، الوجود الأجنبي في العراق.
ولكن هذه الوعود، التي تُمني بها إدارة الرئيس بوش مواطنيها، حول قرب عودة بعض القوات، قد لا تكون مقنعة، لدى الكثيرين، الذين سبق وان تلقوا وعوداً مشابهة. فقد قيل للأميركيين، عشية انتخابات يناير الماضي، بأن هذه المناسبة (الانتخابات)، ستكون نقطة تحول، في طبيعة الصراع الدائر في العراق.
فقد كان من المتوقع، لدى الإدارة الأميركية، بأن رياح التقدم في العملية السياسية العراقية، سوف تعصف بالمتمردين عليها. إلا أن استعراض أحداث الشهور الأحد عشر الأخيرة، ترينا غير ذلك، فمن الواضح بأن الفلتان الأمني قد تفاقم بعد الانتخابات المذكورة. لقد كان شهر أكتوبر الماضي، رابع اسوأ الشهور، بالنسبة للقوات الأميركية، من حيث حجم الخسائر التي تكبدتها.
فمنذ أعلن الرئيس الأميركي، قبل سنتين ونصف، بأن العمليات العسكرية الكبيرة في العراق، قد انتهت، قتل ما يزيد على ألفي جندي أميركي، وجرح آلاف آخرين، وتجاوز عدد القتلى، من المدنيين العراقيين، الثلاثين ألف قتيل.
ربما يتقبل الأميركيون خسائرهم هذه، ثمناً مقابل إنجاز ملموس، وهو تقدم ملحوظ في العراق، نحو الاستقرار وإعادة إعمار البلد. إذ من غير المعقول، كما يرى بعض الساسة الأميركيين، أن تتوقع إدارة الرئيس بوش، أن يستمر الأميركيون، في تقبل ودعم استراتيجية عسكرية، تعتمد على عملية سياسية، غير مؤكدة، كما يجري، منذ ما يقرب من ثلاث سنوات في العراق.
يسبب الصراع الدائر في العراق صداعاً سياسياً للجمهوريين وللديمقراطيين على السواء، فالسياسيون الأميركان من الجهتين يرون، أن كسب الحرب في العراق، سيكون باهظ التكاليف، بشرياً ومادياً، ولكنهم يرون، في الوقت نفسه، بأن كلفة الانسحاب دون إنجاز المهمة، التي ذهبوا من أجلها، ستكون أكبر كثيراً.
لقد بذل الرئيس الأميركي مؤخراً، جهداً كبيراً، لإقناع الرأي العام، الذي تزداد معارضته لبقاء القوات الأميركية في العراق، بأن الحرب في العراق يمكن كسبها، في حين عجز الديمقراطيون عن التوصل إلى موقف موحد من ذلك. فكلما كبر المأزق العسكري في العراق، كبر معه المأزق السياسي في واشنطن، خاصة وأن انتخابات الكونغرس على الأبواب.
ففي خطاباته الأربعة الأخيرة، ركز الرئيس الأميركي، على ذكر الإنجازات، التي تحققت في العراق، بسبب الحرب التي شنها لإسقاط النظام السابق، وهي : إجراء انتخابات يناير الماضي، وكتابة الدستور الدائم، وإجراء الانتخابات الأخيرة، وغير ذلك، مما لا يدخل، في قائمة ما يعانيه العراقيون، في حياتهم اليومية.
تعتبر الانتخابات التي جرت يوم أمس، المحطة الأخيرة، أمام الآمال المعقودة على عودة الاستقرار للعراق. فما لم تتمخض عن مجلس نيابي، تنبثق عنه، حكومة تعمل وفق برنامج وطني، لكل العراقيين، ستغلق آخر البوابات، التي يمكن أن تفضي، نحو مستقبل واعد للعراق.
فالأميركيون يأملون أن تحقق انتخابات يوم أمس، شيئاً يخرجهم من المأزق الذي بدأت تشتد وطأته في واشنطن، فهم يبحثون عن أي إنجاز، حتى لو كان صغيراً، لإقناع الرأي العام، بأن السياسة الأميركية، بشن الحرب في العراق، قد جاءت بما هو إيجابي، وإن القتال ضد المسلحين في العراق، قد أثمر في نهاية المطاف.
وسيساعدهم ذلك، على تخفيض عدد قواتهم العاملة في العراق، وهو استجابة جزئية، لضغط الرأي العام من جهة، وتطميناً للمطالب التي يصر عليها معظم العراقيين، من جهة أخرى.
ولكن ماذا لو جاءت الانتخابات، بما يكرس الواقع الحالي، واستمر المسلسل الدموي، فهل تستطيع إدارة الرئيس بوش، أن تبقي قواتها، بكثافة عالية، لمدة سنوات أخرى، على الرغم من المعارضة المتصاعدة لسياسة هذه الإدارة، في العراق.
من المستبعد، أن ترضخ الإدارة الأميركية، للضغوطات التي تتصاعد عليها، وتبدأ بالانسحاب، من دون أن تضمن، وصول القوات العراقية إلى المستوى الذي يؤهلها لحفظ الأمن. هذا بالرغم من أن التزاماتها، نحو مواطنيها، هي بكل تأكيد، أهم من التزاماتها نحو العراقيين، إلا أن التزاماتها بتحقيق الأهداف التي من أجلها شنت الحرب، هي الأكثر أهمية. ولعل قرار كل من أستراليا واليابان، الإبقاء على قواتهما في العراق، يسهم ولو قليلاً، في تخفيف الضغوط ، على إدارة الرئيس بوش.
أما مستقبل العراق، وفق هذا السيناريو، فمن الصعب التكهن به، قدر صعوبة التكهن بمصير عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين، إذا استمروا في البقاء في العراق لسنوات أخرى، خاصة أن عدد العمليات اليومية، ضد الأهداف الأميركية، وعدد الضحايا الناجمة عنها، في تصاعد مستمر.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae