أبجديات

خلل لا بد من معالجته

لا تفاجئك بعض الحقائق، لكنها قد ترعبك حين تجد نفسك في مواجهة المرآة، وهذا ما بدا حين ذكر الدكتور محمد غباش في جلسة «استشراف آفاق السياسة الخارجية للإمارات خلال العقد المقبل» أن الوضع السكاني الذي آلت إليه الإمارات لا يجب أن يدفعنا للغبطة بسبب إنجازاتنا الاقتصادية حيث إن كل منجز حضاري في أي مجال يحتاج إلى ضمانات لحمايته أولاً ولاستمراره ثانياً، وعليه فهل الوضع السكاني عندنا يدعو للاطمئنان فعلاً خاصة لأولئك المتفائلين أكثر مما يجب؟

الأرقام تقول إننا في الإمارات لدينا مليونان من العمالة الهندية و800 ألف من الباكستانيين، ومثلهم خليط من الجنسيات التي تبلغ 160 جنسية، بينما يشكل الإماراتيون 900 ألف نسمة! هل فاجأتكم الأرقام؟ أنا لم تفاجئني، لكنها أرعبتني بالفعل، وجعلتني أحيي أي جهد وكل جهد يرمي إلى تنظيم وجود العمالة، وتحديد أعدادها، والتشدد في استقدامها حتى وإن كان في هذا التشدد والتحديد والتنظيم أضرار، كما يدعي البعض بمصالحهم، ذلك أن مصلحة الإمارات أهم، ومصلحة المجتمع ككل أولى بالنظر من مصلحة الأفراد!

ولأن عددنا قد بلغ هذا المبلغ من الخطر، حتى بتنا نشكل ما نسبته أقل من 20% من أعداد السكان فإن ذلك لا يمس جوهر المواطنة، وأمن المجتمع، لكنه يمس لب وجودنا السياسي كدولة وكمجتمع مهددة من جذورها بتحد كبير، خلاصته: ماذا لو واجهتنا المنظمات العالمية ولجان حقوق الإنسان الدولية بسؤال عن مدى شرعية حكم الأقلية للأغلبية؟ فبماذا سنرد؟

نقول ذلك لكل هؤلاء الذين ينظرون للوجود الأجنبي من العمالة وبهذه الملايين على أنها أمر بسيط ولا يدعو للخوف، أو على أنها مجرد أدوات لتحقيق مصالح شخصية وآنية، أو على أنها عمالة بسيطة مهيضة الجناح ومغلوبة على أمرها، وأن علينا ألا نضخم من خطورتها. هؤلاء يجب أن ينتبهوا إلى أن كل ما يطرحونه بشأن بساطة العمالة وفقرها واستحالة أي مخاطر من جهتها لا يعدو أن يكون أوهاماً حقيقية لا تقوم على أساس لأن الواقع غير ذلك تماماً.

فهذه الملايين من العمالة لا تتحرك في الفراغ، وذات صلات كبيرة بجهات مختلفة في بلدان المنشأ التي قدمت منها، كما أنها عمالة منظمة فيما بينها وذات انتماءات وولاءات سياسية واجتماعية ودينية، وهي قادمة أصلاً من بلدان ومجتمعات ديمقراطية وذات مؤسسات مجتمع مدني مفعلة، وهنا فلا بد من أن نحذر جيداً عندما نطرح اليوم إشكالية الهوية وسط تيار العولمة، ونطرح تحديات الإصلاح السياسي وسط مطالب الدمقرطة ونطرح أزمة الانتماء، وهذا كله لا يجب أن يسير أو يتم بمعزل عن الأزمة الأساسية: اختلال التوازن السكاني!

sultan@dmi.gov.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات