علينا أن نكون ممتنين جداً للولايات المتحدة، وشاكرين جداً أفضال واشنطن وحرصها علينا، فهي في هذه الأيام قلقة لا يغمض لها جفن بسبب هذه الانتهاكات اللاإنسانية التي تراقبها وتسجلها عن عالمنا العربي التائه في صحراء التخلف والديكتاتورية والقمع..

والمتناثرة رفات شبابه وأطفاله في المعتقلات السرية والمقابر الجماعية.. واشنطن قلقة من الأحداث الدامية التي رافقت الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة وممارسات السلطة فيها، وهي قلقة بسبب المقابر الجماعية التي عثر عليها مؤخراً في بلدة عنجر اللبنانية.

في الحقيقة، فإن واشنطن قلقة على كل شيء عندنا، وأظنها قلقة حتى على كلابنا وقططنا الضالة في الشوارع والطرقات ـ وما أكثرها ـ والسؤال هل نبادلها قلقاً بقلق؟

يعني هل نحن قلقون على الشباب العرب والمسلمين الذين ساقتهم واشنطن دون محاكمات أو تهم صحيحة واضحة إلى معتقل غوانتانامو المرعب؟ هل نحن قلقون على تجاوزاتها في العراق؟ هل نحن قلقون من حكاية السجون السرية التي كشفت عنها صحف أميركية في دول أوروبية وآسيوية؟

هل نحن قلقون من هذه الاختطافات التي باتت مكشوفة والتي تمارسها الولايات المتحدة علناً بحق أشخاص كثيرين ومعظمهم من العرب بحيث ترسلهم إلى دول عربية لتعذيبهم من أجل انتزاع اعترافاتهم؟ فهل نحن قلقون على واشنطن كما هي قلقة علينا؟

في الحقيقة فإننا يجب أن نكون قلقين من واشنطن وليس عليها، قلقين حين تدعي بأنها تريد لنا الخير والديمقراطية والحقوق والحريات.. لقد جاءت إلى أفغانستان وقضت على نظام الظلام والتخلف كما قالت بعد الحادي عشر من سبتمبر.

وكما نشرت وأذاعت وطبلت وزمرت وغنت يا ليل، وكذلك فعلت في العراق، وكذلك تفعل عن طريق «إسرائيل» يدها الضاربة في فلسطين، وكذلك تريد أن تفعل في سوريا وإيران و... فماذا أعطتنا واشنطن في العراق؟

هل شيء آخر غير المزيد من الإرهاب والتطرف؟ هل شيء آخر غير فضائح التعذيب والسجون والمعتقلات؟ هل شيء آخر غير القتل والمزيد من القتل اليومي؟ هل شيء آخر غير تحطيم العراق وتدميره وتفكيك مؤسسات من الألف إلى الياء؟

نتمنى أن يكون هناك شيء آخر، شيء أفضل شيء يضاف لصالح الإنسان العربي، شيء من الحرية، من الكرامة، من الحقوق، من الأمل في الخروج من نفق بعض النظم المتسمة بالديكتاتورية والقمع والخوف. لكن كيف لواشنطن التي تزرع الكرة الأرضية أسلحة وجيوشاً ومخابرات وتزيد عليها بالمعتقلات السرية، وفضائح التعذيب، والهيمنة على الثروات واحتكارها.. كيف لها أن توفر لنا كل النقيض الآخر الذي تعدنا به صباح مساء؟

أميركا قلقة علينا.. أم قلقة منا؟ نحن في غنى عن كل هذا القلق.. وفي غنى عن كثير من وعودها.. لكننا في حاجة ماسة وماسة جداً لأن لا نقلق نحن منها.. إنه القلق العظيم الذي أدخلتنا فيه واشنطن مع عصر المحافظين الجدد ويبدو أنه عصر طويل الأمد!

sultan@dmi.gov.ae