حتى محاكماتنا أصبحت موضوع تندر وخاصة محاكمة الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين التكريتي! وربما كانت أيضا مثار استهزاء العالم! فلم يعد العالم العربي يصدر للخارج ما قد يرد إليه شيئا من اعتباره أو مصداقيته! حتى في محاكمة الدكتاتوريين الذي حكموا بطريقة عشوائية وقاتلة ومدمرة لواحد من أقدم شعوب العالم ولبلد يعد في تاريخ القوانين مهد القوانين الوضعية!

ولا نستطيع إلى اليوم تصنيف محاكمة الرئيس العراقي السابق بأنها واحدة من المحاكمات التاريخية الكبرى كمحاكم نورنبرغ أو المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى التي عقدت في طوكيو وغيرها من المحاكم التي طالت مرتكبي جرائم الحرب أو الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية وفق معايير القانون الدولي.

في محاكمة صدام أكثر من جانب. هناك أولاً الجانب الرمزي للقضية: فقد أصبح مصير هذا الحاكم المنفرد بحكمه وقراره والذي قاد شعبه للموت دونما سبب من خلال حربين ما زالت آثارهما باقية إلى يومنا هذا وكلها مع بالغ الأسف موجهة إلى دول إسلامية وجارة له:

فمرة إيران ومرة أخرى الكويت، مخلفا مئات الآلاف من القتلى ومثلهم من الجرحى والأرامل واليتامى الأبرياء وخسائر وديون تقدر بمليارات الدولارات! رجل حكم بسجونه الغريبة وجلاديه الذين لا يملكون أدنى رحمة .

ومخابراته المنتشرة التي دخلت كل شارع وكل دكان وكل بيت وكل غرفة نوم، حتى خشي الأخ من أخيه والأب من ابنه والصديق من صديقه، لقد أصبح أخيرا مصير هذا الرجل أن يذوق بنفسه طعم ظلام الزنزانة وطعم الإهانة والتعذيب والتحقيق المر والوقوف أمام رجل العدل والانتظار: انتظار اللحظة الحاسمة في إصدار حكم المحكمة.

وأتصور أنه في تلك اللحظة قد شعر بشعور كل رجل أو امرأة من شعبه زج بهم في سجونه المظلمة وانتظر محاكماته الظالمة مع فارق بسيط جدا:

أنه حق له الدفاع عن نفسه بأكثر من محام وأن جميع أقواله تبث على الهواء مباشرة، ليصبح فرجة للعالم بأسره، بينما ضحاياه من شمال العراق إلى جنوبه قبض عليهم، وقيدوا إلى سجون مجهولة ثم اختفوا كالملح في الماء ولم يحق حتى لأهلهم الحصول على جثثهم لدفنهم قريبا منهم.

وتشهد المقابر الجماعية على الكم الهائل من البشر الذين قتلوا ودفنوا وأياديهم ظلت مكبلة حتى في الموت! ولكم كان منظر هذا الرئيس السابق مدعاة للشفقة .

وهو يطلب قلما فلا يعطونه قلماً ويطلب ورقة فلا يعطى ورقة ويطلب الكلمة فلا يعطى الكلمة، فكتب مسودة ردوده على كف يديه! فكم أمسى بسيطا لعمري ذلك الزعيم العربي الذي لا يقهره أحد، والذي أغرق الفرات بدم أبنائه وأحفاده وحتى من دماء أهل بيته!

ومن سخريات القدر أن القاضي الذي حاكمه جاء من شمال العراق وربما كان يوم أبيدت قرى الأكراد بكاملها عام 1988 بالمواد الكيماوية الحارقة من بين الشبان الصغار الناجين الذين اختبئوا في أحدى الحفر التي لم تصل إليها تلك المواد التي رشت بها تلك الأرواح الآدمية المسلمة .

كما ترش الحشرات المؤذية الضارة! وكم تمنينا لو أن هذا الزعيم العربي قد أظهر في نهاية مطافه ولو على سبيل الدراما الكوميدية أسفه أو ألمه أو ندمه على ما اقترفت يداه طوال أكثر من ثلاثين عاما من الحكم المنفرد لشعب أعزل جائع ضائع ومشرد. إلا أنه أبى إلا أن يدافع عن براءة الذئب من دم الحمل!

الجانب الآخر في محاكمة صدام: المحكمة نفسها. فلم نتوقع أن تتم محاكمة رجل كصدام حسين بتلك الارتجالية المتناهية وعدم التحضير المسبق وبضعف لا نجد له مثيلا حتى في محاكمة أبسط المجرمين.

فقد بدت المحكمة وكأنها قاعة مناقشة عامة بين أناس لا يعرفون بعضهم البعض، يتحدث فيها الجميع كما يشاءون ومتى يشاءون ويختلط الحابل بالنابل. وقد عهدنا لقاعات المحاكم الجنائية نوعا من الرهبة والوقار والصمت المطبق الذي افتقدناه في جلسات هذه المحكمة.

فلم نشعر بأن القاتل يستحق القتل ولم نحمل أي عطف للضحية. ووضع المتهمون في حظيرة واحدة يجمعهم ماض واحد بينما هيئة الدفاع التي عادة ما تكون في الواجهة قد وضعت في جانب غير مرئي.

ناهيك عن المشاكل الفنية التي عانى منها المتهم والضحية والقاضي معا فلم يعد يسمع الشاهد المتهم ولا المتهم القاضي! لقد فقدت الجلسات احترامها وهيبتها خاصة عندما رفض المتهم الأول في القضية المثول أمام العدالة! وكأنها لا تعنيه في شيء!

الأمر الآخر: شرعية المحكمة. وهو أمر مخيف حقا؛ وقد تم طرح هذا السؤال ولم تتم الإجابة عنه وكأن الكل يعرف الحق والحقيقة: فإن صحت عدم شرعية المحكمة فهل يجوز لمحكمة غير شرعية أن تقوم بمحاكمة متهم لم تثبت بعد إدانته بدليل ملموس!

فالكل يعلم بأن المحكمة قد شكلت في فترة احتلال ولم يزل الاحتلال هو الآمر الناهي فيها ولا شك أن هذا الاحتلال قد لعب دورا مهما في تشكيل هيئتها. والنتيجة، لا يمكن الأخذ بقرارات محكمة غير قانونية!

أما اخطر جوانب محاكمة الرئيس المخلوع ومعاونيه فهي تتلخص في عدم وجود أي دليل مادي للجرائم التي ارتكبت. خاصة مع نكرانهم الرائع لكل صغيرة وكبيرة أوردها الضحايا والشهود.

إن واحدة من أفدح أخطاء الولايات المتحدة الأميركية في غزوها للعراق هي أنها دمرت كل شيء وحطمت وأحرقت كل شيء حتى الأدلة التي كان من الممكن الاعتماد عليها كشاهد على ممارسات ذلك النظام طوال 30 عاماً!

وقد كان مدهشا استغراب الرئيس المخلوع من أن شاهده قد حفظ بدقة شديدة تواريخ ميلاد أهله ورفاقه الذين فارقوا الحياة تحت التعذيب. وكم كان السؤال مضحكا الذي وجهه الرئيس السابق إلى رئيس المحكمة الحالي قائلاً: (هل تستطيع أنت أن تذكر أي تاريخ ميلاد أحد من أهلك؟)!

وما كان من رئيس المحكمة إلا أن أشاح بوجهه وكأنه لم يسمع السؤال الذي وجهه إليه رئيس الجمهورية العراقية السابق الذي لو أنه مازال رئيسا لفصل رأسه عن جسده!! وعندما يصل الدفاع عن النفس إلى درجة التعلق بقشة، فإن ذلك يدل على أن الغرق أصبح مؤكداً.

جامعة الإمارات