حينما ظهر الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر متحدياً العالم كله بجملته الشهيرة على الإرهاب، فإنه دعا الجميع ليكونوا في الخندق نفسه، وإلا فالويل لمن يشق عصا الطاعة الأميركية، منطق بوش لخصه هو نفسه بجملته الشهيرة "من لم يكن معنا فإنه ضدنا"!
ويومها ثار من ثار واعترض من اعترض على هذه المنهجية في التفكير، والتي لا تتماشى مع دعوات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، فأبسط مضار هذه المنهجية هو القضاء على حرية الرأي التي تفاخر بها أميركا بالضربة القاضية!
بعد ذلك اكتشفنا أن بوش الابن ليس الوحيد في تبني هذه القناعة، فكثيرون في عالمنا العربي تحديداً مصابون بالخوف من الرأي الآخر إلى درجة »الفوبيا«، يعني من الممكن إطلاق »فوبيا« الرأي الآخر على كثيرين عندنا وبيننا، ومنهم من يعترض ويحتج على سياسة بوش كل يوم، في الوقت الذي ننادي ونطمع أن تكون لدينا ديمقراطية وحرية و... إلخ!
إن أول تدريب عملي على استعداد أي شخص وأي أمة للحياة الديمقراطية هو احتمال الرأي الآخر المختلف والمعارض أحياناً، لا نقول تقبله، فهذه مرحلة لاحقة، بل نقول احتماله، وهذه الكلمة لها معنى مختلف.
فان تتقبل هي عملية ذهنية ونفسية وحتى جسدية طبيعية لا مشقة ولا جهد كبيراً فيها، أما أن نحتمل، فواضح انها تشير إلى مشقة وجهد، وهذا أول الطريق.. ان تحتمل ثم تتقبل ثم تمارس ثم يكون الرأي الآخر نسقاً طبيعياً وممارسة مفتوحة ومتاحة للجميع من دون خوف أو تردد.. فإذا لم نحتمل الرأي الآخر فكيف سنمارسه ومن الأساس كيف نطالب به؟
أقول ذلك، وأنا أسمع أن كثيراً من مسؤولينا في الدوائر والمؤسسات يمارسون ارهاباً فكرياً ومادياً على بعض موظفيهم ممن يلجأون إلى الصحافة أو الإعلام لإبداء ملاحظات معينة على أداء المؤسسة أو على تجاوزات ارتكبت بحقهم أو بحق زملائهم، إلى درجة أن بعض المؤسسات وزعت تعاميم رسمية بأن من يلجأ إلى الإعلام أو الصحافة فإنه سيعاقب بأشد العقوبات.. في الوقت الذي تظهر صور بعض هؤلاء المسؤولين على صفحات الصحف يتحدثون عن الديمقراطية والانتخابات وحرية الكلمة و.. الخ.
الديمقراطية ليست عنواناً انتخابياً، كما يعتقد البعض، والديمقراطية ليست غاية في حد ذاتها، والديمقراطية ليست كلمة تلوكها الألسن إعتقاداً بجمالها أو بثقافة من يتداولها.. إنها أعمق وأشد وطأة مما يعتقد البعض.. ومن لا يتحمل شيئاً من الديمقراطية يتمثل في رأي مخالف لرأيه وسياسته، لا يمكنه أن يتحمل كل الديمقراطية..
أما هؤلاء المسؤولون الذين يحيطون أنفسهم بقرارات وتعاميم حماية ضد الصحافة والإعلام فإنهم، ومن حيث لا يدرون، يعترفون على أنفسهم بوجود أخطاء ومخالفات لا يريدونها أن تصل للإعلام لكنها ستصل حتماً على الرغم من كل القرارات الصارمة!
sultan@dmi.gov.ae