لعل من المناسب القول إن اهتمام مؤسسة الفكر العربي بعقد مؤتمر لها حول الإعلام لا يدل إلا على شيئين أساسيين، أولهما أهمية الإعلام في حياتنا وثانيهما أن الإعلام، سواء العربي أو الغربي يتحملان مسؤولية كبيرة في تشويه أو في أحسن الأحوال عدم توضيح الصورة الحقيقية للأشياء التي تواجهنا في وقتنا الحاضر بشكل يسمح لنا بتشكيل صورة واضحة حولها.
ولقد تطرق المؤتمر إلى قضايا أساسية ومهمة يحتاج بعضها، إن لم يكن أغلبها إلى أن نوليها اهتماماً كبيراً وأن نحاول الخروج برؤية واضحة حولها. وسوف نتناول هنا بعض القضايا المهمة التي طرحت في هذا المؤتمر.
على ما يبدو سوف تبقى حرية الإعلام، ولوقت طويل، محل اهتمام وجدل في أوساط المهتمين بهذه المسألة، وهم شريحة كبرى في المجتمعات كافة، وهذا ما انعكس أيضا في هذا المؤتمر. أولا لأن الإعلام بدون مساحة كافية من ضمان حرية التعامل مع المعلومات وتوفير الحماية الكافية للعاملين في مجالاته لن يكون بإمكانه أن يقدم للناس المعلومات التي تعينهم على فهم واقع الأشياء.
لكن بالمقابل عندما نتحدث عن حرية الإعلام نفاجأ أحيانا بوجود طرح ساذج حولها حتى من قبل العاملين فيه »الإعلاميين« والعالمين بخباياه. قلت طرحا ساذجا لأن عبارة »حرية الإعلام« لا تعكس في الكثير من الأحيان العلاقة الجوهرية التي تربط مؤسسات الإعلام بمراكز القوى في مناطقها، والتي يتكشف لنا من خلال التعرف عليها أنه ليس هناك من حرية إعلام بالمعنى المطلق للمسألة وبالشكل المتداول على موائد مؤتمراتنا، وإنما هناك درجات متفاوته من الحرية الإعلامية والتي لا تتحقق، في معظم الأحيان، إلا بتوفر عنصريين أساسيين:
أولهما ضرورة توافر إعلاميين يتمتعون بشعور عال من المسؤولية الاجتماعية، وثانيا أن تكون منظمات المجتمع المدني من القوة بحيث يتسنى لها لعب دور مباشر في التأثير على نوعية المواد الإعلامية التي تقدم للجمهور، وهذان عنصران، على حد علمي، لم نصل لهما في بلداننا العربية بالشكل المطلوب بعد.
لذا نرى أن من يتحدث عن حرية الإعلام بشكل مجرد لا ينظر للإعلام كمؤسسات مجتمعية غير محايدة، فهي إما تجارية تعبر بالضرورة عن مصالح القوى التي تملكها، وإما حكومية تعبر عن مصالح القوى السياسية التي تملكها. وليس في الأمر مشكلة من حيث الجوهر،
فهذه مسألة طبيعية، حيث إنه ليس من المنطقي أن يعمل أحد على إنشاء مؤسسات في مجتمعه مدعومة من قبله، وتعمل على تقويض وجوده، لكن كما قلت فإن طبيعة المؤسسات الإعلامية وكونها مؤسسات ذات صلة مباشرة بالثقافة والفكر يفرض عليها التعامل مع الناس بشكل يحقق بعض مصالحهم.
من جانب آخر نرى أن مسألة الطرح الساذج حول مفهوم حرية الإعلام في البلدان العربية ترتبط أيضا بطرح آخر لا يخلو من السذاجة هو أيضا، وهو ذلك المتعلق بالدعوة إلى خصخصة الإعلام كحل لموضوع الحريات. وكأن المشكلة الحقيقية في موضوع الحرية الإعلامية تكمن بالدرجة الأولى في كون وسائل الإعلام العربية أو معظمها مملوك من قبل الدولة، وأن الإشكالية الحقيقية تقع في نوعية هذه الملكية.
نحن بطبيعة الحال لا ننكر أن الإعلام الحكومي يعبر بالدرجة الأولى عن مصالح حكوماته، ويعبر أيضا، وهنا ربما تقع مشكلتنا الكبرى، عن النظرة العامة أو الفلسفة العامة التي تحملها تلك الحكومات للإنسان والمواطن والقضايا الوطنية أو الإنسانية؛ ويعبر أيضا عن نظرة تلك الحكومات لمفهوم الحرية والفكر والثقافة، إلى آخر هذه المنظومة.
من هذا المنطلق نرى أن انتقال ملكية وسائل الإعلام إلى أفراد أو مؤسسات خاصة لا يعني بالضرورة أن حق المواطن في الحصول على المعلومات الصحيحة أو المواد التي تخدم حاجات حياته وإثرائها بالمعرفة ستكون مكفولة ومضمونة بشكل أكبر. فلو نحن تعاملنا مع الإعلام على أنه يعبر بالدرجة الأساسية عن مصالح الفئات التي تمتلكه، سنوفر على أنفسنا الجدل العقيم حول حرية الإعلام التي نطرحها أحيانا وكأنها مطلقة.
النقطة المهمة الأخرى التي تم التعامل معها في المؤتمر بدون وعي، وأرى ضرورة أن نعتني بها أيضا تتعلق بدور الإعلام في خلق ما يسمى بالذاكرة قصيرة المدى للجمهور المتعاطي معه. وهذه قضية طرحت في الكثير من الدراسات الإعلامية، وانتقد عليها الإعلام الغربي بشدة.
في مؤتمر الإعلام بشكل عام وفي ندوة المسؤولية الاجتماعية التي عقدتها محطة تلفزيون العربية على هامش المؤتمر، والمتعلقة بما يسمى اليوم بقضية الإرهاب بشكل خاص لاحظت أن إعلامنا بات يلعب اللعبة نفسها والمتمثلة في خلق ذاكرة قصيرة المدى للمواطن العربي المتعاطي معه.
والمقصود بالذاكرة قصيرة المدى، وبالذات حين ربطها بمفهوم »الإرهاب« هي حقيقة أن هذه الجماعات التي يطلق عليها اليوم مسمى »الجماعات الإرهابية« هي نفسها التي احتضنتها في يوم من الأيام ذات الدول التي تحاربها اليوم.
اليوم يتعاطى إعلامنا مع هذه القضية بدون رد الأمور إلى سياقها الاجتماعي، وبدون ربط وتأصيل تاريخي صادق وموضوعي يعكس كيف نشأت هذه الجماعات ومن عمل على تقويتها وتعزيزها، مما يعكس لنا واقع إعلامنا العربي والذي يبدو أنه، في كثير من الأحيان، يلعب دور المرآة للإعلام الغربي ويعيد إنتاج إشكاليات خطابه نفسها. وهذا دور لا نتمنى للإعلام العربي أن يلعبه.
ولا ننسى هنا أن نقول للمتعاملين مع هذه المسألة إن مفهوم الإرهاب في جوهره متعلق بالنظر إلى ما يحمله شخص أو مجموعات بشرية من رؤى على أنها تمثل الحقيقة والصواب المطلق، وبالتالي كل ما يخالفها يقع في دائرة الإقصاء أو ممارسة شكل من أشكال العنف ضده؛ وهذه رؤى لم تعد مقصورة على المتطرفين من المسلمين فقط، ولكنها أصبحت واضحة في كثير من الممارسات السياسية الفردية والدولية والعالمية على حد سواء.
السؤال الجوهري هو أين تقع حدود الإرهاب وأين تنتهي، وكيف لنا أن نتبين واقعه ونقدمه للناس دون أن يكون في هذا الأمر تعد على حق الآخرين في الحياة والتعبير عن رؤاهم.
جامعة الإمارات