حقيقة القاضي صامويل أليتو تختلف عن الصورة التي يحاول الظهور بها. والتهديد الذي يمثله هذا الرجل أكبر بكثير مما يصوره معظم المتحدثين. صحيح انه معارض للإجهاض وسوف يقلب توازن المحكمة الأميركية العليا إذا تم تثبيت تعيينه مكان القاضية ساندرا داي أوكونر. لكن خطر أليتو لا يقتصر على حق المرأة في الاختيار فقط. فهو يحمل أيضاً شعلة الرجعية الجديدة.
ساعياً للعودة إلى ترسيخ حقوق الولايات المتحدة وحقوق الشركات الكبرى فوق حقوق الكونغرس.ولا يتوقف الرئيس بوش عن تكرار شعاره المبتذل نفسه وهو أن هذا المرشح سوف يفسر القانون فحسب، ولن يحاول صنع القانون. لكن لو كان هذا صحيحاً، لما خرجت جوقة المعلقين اليمينيين لتهلل له وتهتف باسمه.
وفي الحقيقة ان سجل ألينو كقاض لا يظهر احتراماً للمجلس التشريعي المنتخب من الشعب بل يظهر قاضياً مستعداً لاستخدام منصبه في هيئة المحكمة لفرض رؤاه الخاصة وتقويض القوانين التي لا تحظى بقبوله. وصامويل أليتو ما هو إلا ناشط قضائي يميني متنكر بهيئة رجل يتمتع بالانضباط القضائي. إنه مثل ذئب بملابس حمل وديع.
وتوجهاته اليمينية ليست متقلبة ولا عشوائية، بل إن له فلسفة ثابتة لا يحيد عنها. إنه نصير شديد الحماسة لترجيح حقوق الولايات على حقوق الحكومة الوطنية، وترجيح حقوق الشركات على حقوق ممثلي الشعب في ضبط سلوك الشركات لما فيه المصلحة العامة.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية، عبرت أميركا عن إجلالها وتقديرها لروزا باركس وحركة الحقوق المدنية التي ساعدت تلك المرأة في إشعال شرارتها الأولى. لكن حتى بينما راح الرئيس يكيل المديح لروزا باركس التي فارقتنا قبل أيام، فإنه رشح لعضوية المحكمة العليا قاضياً من شأنه أن ينقلب على كثير من الحقوق التي ناضلت من أجلها باركس.
عندما جلست روزا على مقعدها في تلك الحافلة، كانت الولايات الجنوبية تدعي لنفسها حق فرض التفرقة العنصرية بالقانون على الأميركيين الأفارقة. وكانت تلك الولايات تجادل بأنه ليس من حق الكونغرس أو المحاكم التدخل في شؤونها الداخلية.
وعندما قضت المحكمة العليا بالإجماع بأن التفرقة العنصرية في المدارس تنتهك الدستور، أثار ذلك سخط زعماء التمييز العنصري، الذين شجبوا المحكمة العليا لـ»توجهاتها السياسية« وشنوا حملة لتوجيه اتهامات بالتقصير والخيانة لإيرل وارين، وزير العدل الذي رشحه الرئيس الجمهوري دوايت آيزنهاور.
وقاموا بتعطيل تطبيق حكم المحكمة العليا وقوانين الكونغرس. وتطلب الأمر شجاعة استثنائية من روزا باركس وتضحيات وكفاح كثيرين غيرها للتغلب على تلك المقاومة من جانب أنصار التمييز العنصري.
والآن، تظهر من أقصى يمين الطيف السياسي الأميركي، حركة رجعية جديدة تعلن صراحة عن آرائها القائلة إن الدستور لا يزال »في المنفى« منذ الثلاثينات.
ويريد هؤلاء إبطال العمل بمبدأ حماية الخصوصية الفردية الذي يستند إليه حق المرأة بالاختيار.
لا بل إنهم ينادون بإبطال الأحكام الصادرة عن محكمة وارين ومحكمة روزفيلت. ومن شأن هؤلاء أن يعيدوا البلد إلى عصر مظلم سابق، كما يحظر النقابات العمالية باعتبارها »قيوداً على التجارة« ويفرض إرادة الشركات فوق إرادة الكونغرس، ويمجّد حقوق الولايات.
وصامويل أليتو ينتمي لهذا الصف. فلقد صوّت في الماضي لإبطال قانون مرره الكونغرس لضبط نقل وحيازة البنادق الرشاشة في متاجر الأسلحة. وجادل بأن الكونغرس لا يمتلك الصلاحية لتنظيم بيع البنادق الرشاشة، بدون عرض نتائج تفصيلية ــ تتم مراجعتها من قبل محاكم وافية بالغرض تظهر بأن هناك صلة بين تنظيم نقل البنادق الرشاشة والتجارة المتبادلة بين الولايات.
ولعل القاضي أليتو افترض أن الإرهابيين الذين بحوزتهم بنادق رشاشة سوف يبقون في ولاية واحدة ولن يتنقلوا بين ولاية وأخرى كما يفعل الجميع في هذا البلد. وهذا الانشقاق من جانب أليتو يكشف عن الوجه الحقيقي لقاض رجعي متشدد مستعد لاستخدام نفوذه للانقلاب على حقوق الحكومة الفيدرالية ورفع حقوق الولايات.
وفيما يتعلق بحقوق الولايات، لم يكن هناك نصير أشد تعصباً لها من رئيس المحكمة العليا الراحل وليام رينكويست، ومع ذلك فإن رينكويست يبدو معتدلاً إذا ما قورن بالقاضي أليتو الذي حكم بأنه لا يحق للكونغرس أن يطلب من حكومات الولايات الإذعان لقانون الاجازة العائلية والاجازة المرضية في تعاملها مع موظفيها.
وهذا ينسحب ضمناً على أي قوانين فيدرالية تخص موظفيهم، لكن هذا التوجه من أليتو للتشريع في مقعده في المحكمة تم التصدي له في المحكمة العليا في رأي قانوني كتبه رئيس المحكمة رينكويست نفسه.
وكذلك فإن أليتو استخدم موقعه مراراً وتكراراً لتقييد دور الكونغرس في ضبط سلوك الشركات، وكان يرغب في نسف الحماية القانونية ضد التمييز على أساس الجنس أو العرق في التوظيف.
إن ميراث روزا باركس يقف متبايناً مع سجل أليتو. فهذا قاض رفض اعتراضاً قدمه متهم أميركي إفريقي على حكم صادر على هيئة محلفين جميع أعضاؤها بيض، بعد أن أزالت كل الأعضاء السود بسبب عرقهم.
ولقد تهكّم أليتوا على الدلائل الإحصائية التي أظهرت استبعاداً منهجياً للأميركيين الأفارقة من هيئات المحلفين، وقال إنها دلائل لا معنى لها تماماً مثل حقيقة ان نسبة الرؤساء الأميركيين الذين يستخدمون يدهم اليسرى أعلى من نسبة هذه الشريحة من السكان. ان أي قاض يكتب مثل هذا الرأي هو قاض يتعامى بصورة خطرة عن تاريخ هذا البلد ولا يكترث بمسؤولية هذه المحكمة.