لعبت الصحافة وهي أقدم وسائل الإعلام الجماهيري، دوراً مهماً في تشكيل وعي الأفراد وتكوين الرأي العام وذلك منذ تأسيسها في مطلع القرن السابع عشر.وقد استخدمتها الثورات الكبرى في أوروبا واعتمدت عليها في نشر أفكارها وكسب التأييد لمبادئها، هكذا فعلت الثورة الفرنسية (1789) وثورات (1948) في أكثر من بلد أوروبي وكومونة باريس (1871) وثورة أكتوبر في روسيا (1917) وغيرها من الثورات التي أدركت أهمية مساهمة الصحافة في كسب الرأي العام واستطراداً إنجاح الثورة.
لم يختلف الحال في البلدان العربية، فقد استفاد النهضويون العرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر من الصحافة أيما استفادة، ونشروا بواسطتها آراءهم التنويرية، ومطالبهم من سلطة الإمبراطورية العثمانية وخاصة تلك المتعلقة باللامركزية والتدريس باللغة العربية وجعلها لغة المحاكم،
ثم وظفتها الجمعيات العربية في مطلع القرن العشرين للتهيئة للثورة العربية وإنضاجها، وكانت الصحافة على العموم من أهم الوسائل في تحقيق الثورة والتطور والتنوير في مختلف بلدان العالم طوال ثلاثة قرون ونيف، وربما لم يكن لها خلال هذه القرون شريك إعلامي جماهيري.
لم تبق الصحافة وحيدة في الميدان في مجال تشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام، فقد شاركتها الإذاعات في المهمة منذ نهاية الربع الأول من القرن العشرين وتبعها التلفزيون كوسيلة إعلام طاغية، وبرز بوضوح منذ منتصف ذاك القرن الدور المهم لوسائل الإعلام في حياة الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية،
وفي الوصول إلى تجانس في نسيج المجتمع الواحد وفي دفع تطوره متعدد الجوانب إلى الأمام، ولم يعد تشكيل ما يسميه علماء الاجتماع (البنية الفوقية الفكرية والثقافية وسلم القيم والعادات والتقاليد وغيرها) مقتصراً على تغير علاقات الإنتاج وحدها ولا على نوع ملكية وسائل الإنتاج، بل تدخلت وسائل الإعلام بكثافة في تشكيل هذه البنية، وصار مقبولاً القول بالدور الحاسم للعوامل الخارجية (وهي هنا وسائل الإعلام) في تشكيل الوعي، ودخل الإعلام بقوة في آلية حياة الناس وتطورهم الحاضر والمقبل.
جاء جديد في الربع الأخير من القرن الماضي وهو تفجر الاتصال، الذي عبر عن نفسه بشبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) واستخدامات معطيات التقانة وتطبيقاتها سواء في الصحافة (التي صارت تطبع في عدة بلدان في آن واحد) أم الإذاعة أم التلفزيون وخاصة القنوات الفضائية، وهكذا وضعت منتجات العقل الإنساني وتطبيقاتها ومدخرات مراكز المعلومات تحت تصرف كل فرد بواسطة الشبكة العنكبوتية،
ودخل التلفزيون إلى كل بيت، وصار الوعي الفردي والجماعي أسير وسائل الإعلام والاتصال أو ما يشبه الأسير، ولم تعد تأثيرات الإعلام تتعلق بالجانب الثقافي أو التربوي بل طاولت تكوين هيكلية الدولة وسياسة البلاد وحالها الاقتصادي والاجتماعي وتطور المجتمع برمته، وأخذ الإعلام يتلاعب بالعقول ويساهم بشكل حاسم في تكوين العادات والتقاليد وأنماط الحياة بل وفي سلم القيم وصقل هوية الأمة وأصبح قوة طاغية في عالمنا تزاحم بقدراتها وطاقاتها الاحتكارات المالية والطغم العسكرية،
وتحول الإعلام من مبادرات (ومغامرات) فردية إلى عمل مؤسسي وأخيراً إلى استثمارات واحتكارات كبرى (مثلاً احتكارات روبرت مردوخ وتيد تيرنر) وصار له شروط استمراره وآليات عمله الخاصة ومفاهيمه وأساليبه، فتغير أسلوبه ومنهجه من أسلوب إعلام (مرسل إلى متلق) إلى علاقة اتصال (علاقة جدلية بين المرسل والمتلقي) وما لبثت العملية الإعلامية أن صارت عملية متعددة الجوانب ومتشابكة لا يمكن رؤيتها من جانب واحد فقط، ولا يمكن لأية سياسة أو حكومة أو دولة أو منظمة مجتمعية أو خيرية أو غيرها الاستغناء عنها.
بسبب غنى الدول المتقدمة وإمكانياتها التقانية الكبيرة وتطورها العلمي وضخامة استثماراتها صار إعلامها هو الأقوى والأقدر على تضليل الرأي العام في بلادها وفي البلاد الأخرى، وأصبح احتكاراً حقيقياً جارفاً يتلاعب بالعقول، وله دورته الخاصة وعالمه الخاص وآلياته المتفردة ولم يعد تابعاً دائماً بل صار في بعض الأحيان قائداً،
ولكنه في كل الأوقات حليف للاحتكارات الأخرى المالية والسياسية والتوسعية والهيمنة وغيرها، وفي هذا الإطار تكمن رؤية الإعلام العالمي تجاه قضايانا العربية وفهم عدم إمكانية أن يكون نصيراً لها مهما كانت عادلة، وهل تناصر الاحتكارات وتوابعها الفقراء والمظلومين والمحرومين في عالمنا المعولم هذا؟
إضافة إلى ذلك بنى الإعلام الغربي خاصة (وربما غيره) سياساته على صورة نمطية تشكلت خلال التاريخ عن العرب والمسلمين، شكلّها المستشرقون والطامعون والاستعماريون والعنصريون وأصحاب المصالح طوال الألف عام الماضية، ومنذ الحروب الصليبية إلى العولمة، حتى صارت نمطية فعلاً ودخلت في عمق ثقافة الغرب خاصة وفي مفاهيم أفراده ومجتمعاته،
ومازالت تشكل الأساس الناظم للعملية الإعلامية الغربية تجاه قوميتنا وديننا ومازلنا حسب هذه الصورة النمطية إرهابيين متخلفين متعطشين للدماء، ولم تستطع وسائل الإعلام الغربية أن تتجاوز هذه الصورة النمطية وربما ليس من مصلحة محتكريها مؤسسات واستثمارات ودول تجاوزها أو تغييرها، فاستمرت تتبنى السياسة الإعلامية نفسها لكن بوسائل عصرية واستخدمت آخر مبتكرات الاتصال لتعميقها،
ومن الوهم الاعتقاد أن هذه الصورة تشكلت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، أو أنها نتيجة طارئة لحدث طارئ، لأنها سياسة وفلسفة ومواقف عمرها مئات السنين، ولم تغير ثورة الاتصال والديمقراطية والتقانية من هذه الصورة إلا تغييراً سطحياً، وبقي التزوير والتضليل وقلب الحقائق وابتسار الأحداث وتجاهل المعلومة ديدن الإعلام الغربي وبعض الإعلام العالمي تجاهنا.
إن صحت هذه الافتراضات فإن مهمات إعلامنا العربي شاقة، خاصة وأنه تنقصه السياسة الواضحة والاستثمارات المالية الكافية،وتوفير إمكانيات الانتشار والحريات التي لابد منها ليكسب الإعلام مصداقيته، والتعددية التي تنوع الآراء وتثريها فضلا عن القدرة المهنية والتقانية وغيرها من العوامل التي تشكل شروطاً لابد منها لنجاح العملية الإعلامية.
يواجه إعلامنا العربي مشكلة إضافية لانطلاقته العالمية، ولتأهيله ليلعب دوره المطلوب في الدفاع عن الأمة وقيمها ومعتقداتها، وهي أن همومه تقع داخل الحدود غالباً، فهو يستهدف شعبه ولا يهتم بالقدر الكافي بخارج الحدود، تستحوذ عليه هموم بلاده الداخلية ولا يجد متسعاً أو قدرة ليتفاعل مع الآخر في البلدان الأخرى، ويبقى الإعلام الغربي وربما العالمي يضخ للمتلقين ما يضللهم ويزور عقولهم ويؤكد الصورة النمطية الخاطئة عن العرب والمسلمين.
كاتب سوري