لا شك أن إيران كدولة، تمتلك مقومات النهوض الفاعل في المنطقة، فلها رقعة جغرافية شاسعة، وتمتلك ثالث أكبر احتياطي للنفط في العالم، ولديها احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي .

ولها موقع جغرافي متميز، فهي تطل على الساحل الشرقي للخليج العربي بكامله، وتطل على بحر قزوين، حيث يحتوي البحرالأول على ما يزيد على نصف الاحتياطي العالمي من النفط والغاز، ويحتوي البحر الثاني، على خزين كبير من النفط لم يستخرج بعد. كما تمتلك إيران، البعد التأريخي، والإرث الحضاري للإمبراطورية الفارسية، التي كان لها حضور فاعل، في التأريخ، و إسهام لا ينكر في الحضارة الإنسانية.

لم تكن إيران، في أية فترة، من فترات العصر الحديث، أقرب إلى تحقيق وجود عسكري فعال، وذاتي القدرة، في المنطقة، كما هي الآن. وقد أكسبتها الحرب مع العراق، والتي دامت ثماني سنوات، خبرات وإمكانيات عديدة، منها القدرة على التخطيط لاقتصاديات الحرب. كما ساعدت أسعار النفط المرتفعة، على مضاعفة دخلها، وزيادة قدراتها على تمويل مشاريعها العسكرية.

ثمة موضوع مهم، يكثر الحديث عنه، حول مدى التهديد، الذي تشكله، إيران النووية، على الأمن الإسرائيلي؟، وعلى المصالح الإسرائيلية في المنطقة. هنالك مبالغات كثيرة حول هذا الموضوع، فإيران النووية، لا تشكل تهديداً لإسرائيل، وذلك لسببين أساسيين:

1- عقيدة الردع النووي، التي لا مفر من التزام الطرفين بها، فهي تبقى نافذة المفعول، وتعمل على إعاقة اتخاذ القرار بالهجوم النووي.

2- من المستبعد، أن تسمح الإدارة الإيرانية، بتسرب هذا السلاح، ووصوله إلى منظمات إرهابية.

يلاحظ الراصد للأحداث، التي تتعلق بالشأن الإيراني، بأن المسرح يُعد بشكل مكثف ومدروس، لسلسلة من الأحداث، قد تقلق المنطقة، أبطال هذه الأحداث: إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وصالاتها: بعض المواقع الحساسة، على الأراضي الإيرانية، وربما بعض الأهداف البحرية، في الخليج.

فمنذ بدأت إيران بإحياء برنامجها النووي، بدأت خيوط المواجهة المحتملة تُنسج، من خلال إعداد أدلة ووثائق تشير إلى أن إيران، تسعى لأمتلاك أسلحة الدمار الشامل، الكيمياوية منها والنووية:

1 ـ التقارير، التي أصدرتها، الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حول خروقات إيران لالتزاماتها، في اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية، وإصرار إيران على المضي قدماً في برنامجها النووي، والذي يتضمن الحصول، على الخبرات العملية، التي تتعلق بتفاصيل التكنولوجيا النووية.

2 ـ إفادة قدمها جون بولتون، المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة حالياً، حينما كان مساعداً لرئيس لجنة الحد من التسلح، في الرابع والعشرين من يونيو عام 2004، أمام الكونغرس الأميركي. فقد أفاد: »نحن نعتقد، أن لدى إيران، برنامجاً سرياً، لإنتاج وتخزين أسلحة كيمياوية«،

وفيما يتعلق ببرنامج الصواريخ، أفاد »إيران مستمرة في تكثيف جهودها لإنتاج وسائل اطلاق أسلحة الدمار الشامل«، وإن »الصاروخ الذي يصل مداه إلى مسافة 1300 كيلومتر، والمعروف باسم شهاب 3، يشكل تهديداً مباشراً، لإسرائيل ولتركيا، وللقوات الأميركية في المنطقة، ولأصدقاء الولايات المتحدة وحلفاءها«.

3 ـــ أدلة أعدتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية، مفادها أن إيران، تعمل على خزن أدوات ووسائل الوقاية، من الحرب الكيمياوية، تحسباً لخوضها.

4 ــــ إعتبرت الولايات المتحدة الأميركية، في أغسطس الماضي، إيران في حالة خرق لاتفاقية الأسلحة الكيمياوية، فبرنامج الأسلحة الكيمياوية الإيرانية، يتضمن خزيناً كيمياوياً كبيراً، من ضمنه غاز الأعصاب، ويتضمن كذلك، خططاً لتحديث عناصر أساسية في البنية التحتية، لهذا البرنامج، لضمان الحصول، على قدرات الهجوم، بالسلاح الكيمياوي.

هنالك سياسة واضحة، لدى الولايات المتحدة، وحلفائها الغربيين، مفادها عدم السماح، ببروز قوة إقليمية، في هذه المنطقة الغنية بالنفط، سواء كانت هذه القوة صديقة، أم غير ذلك. فقد صوت الكونغرس الأميركي، في السادس من مايو، من عام 2004، بأغلبية 376 مقابل 3 (99.2 %)، لصالح قرار: »اتخاذ جميع الاجراءات اللازمة، لمنع إيران، من الحصول على السلاح النووي«.

لقد استغرقت الجهود الدبلوماسية، لإقناع إيران بالتخلي عن برنامجها النووي، زمناً طويلاً، دون أن يتمخض عنها، نجاح يذكر، فالإيرانيون يرفضون الوصاية، على ما يعتبرونه حقاً سيادياً لهم، في حين تشدد الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون من موقفها، بعدم السماح لإيران بتجاوز الخطوط الحمراء.

وقد صرح الرئيس الأميركي، أكثر من مرة »إذا فشلت الجهود الدبلوماسية، في وقف البرنامج النووي الإيراني، فأن جميع الخيارات الأخرى واردة «. من المستبعد، في ضوء المواقف المتشددة، لدى الإدارة الإيرانية الجديدة، أن يكون هنالك حل دبلوماسي، يرضي الفرقاء. كما أن من المستبعد، الحصول على قرار، من مجلس الأمن الدولي، يسمح بفرض العقوبات على إيران.

إذ عند إحالة الملف النووي الإيراني، إلى مجلس الأمن، ستعمد كل من روسيا والصين، إلى إستخدام حق الفيتو، لمنع الولايات المتحدة من الحصول على غطاء شرعي، لفرض عقوبات إقتصادية، على إيران، يكونان من أوائل الخاسرين، من جراء إتخاذها.

ومع أن هنالك حديثاً يدور، حول العودة، إلى مائدة المفاوضات، مع الترويكا الأوروبية، إلا أن ذلك، قد يكون، في نظر الإدارة الأميركية، كسباً للوقت، في إنتظار وصول الوقود النووي من روسيا، لشحن المفاعل النووي وتشغيله، مما يجعل تدميره، أكثر صعوبة، أمام الرأي العام العالمي، من جراء التلوثات الخطيرة التي قد تحدث في المنطقة.

وفي ضوء هذه الإستنتاجات، يصبح من المرجح، اللجوء إلى خيار القوة، خاصة وأن هنالك جوانب فنية، تحتم إختيار زمن التنفيذ. فقد صرح رئيس منظمة الطاقة الذرية الروسية، ألكسندر رومينتسيف، بأن روسيا، سوف تشحن، أول دفعة من الوقود النووي، إلى مفاعل بوشهر الإيراني، في نهاية هذا الشهر، أو في مطلع عام 2006.

لذلك، فمن المتوقع، أن يصار إلى إتخاذ خطوة عسكرية مباغتة، قبل وضع شحنة الوقود النووي، في المفاعل ، وقبل تشغيله. فمن المعروف إن إسرائيل، أقدمت على قصف المفاعل النووي العراقي »أوزيراك«، عام 1981، قبل أن يشحن بالوقود النووي، لتلافي حصول تلوثات نووية.

أما كيف ستكون البداية، فذلك أمر، قد يكون من الصعب التنبؤ به بدقة، إلا أن المرجح هو أن الولايات المتحدة، لن تورط نفسها، بشكل مباشر. فإسرائيل، هي المرشحة، لأن تلعب دور مخلب القط، بمباركة أميركية، وبقذائف أميركية خاصة،

قادرة على تدمير التحصينات المتخذة، وبإسناد لوجستي، ليس أقله، تزويد الإسرائيليين، بخدمات الأقمار الإصطناعية الأميركية، التي تقوم بتوفير المعلومات الدقيقة من جهة، وتسهم في التوجيه والسيطرة، على العمليات التي تجري، من جهة أخرى.وفي ضوء التصريحات الإيرانية المتشددة، والمتصاعدة ضد إسرائيل، ستكون تداعيات تدمير البرنامج النووي الإيراني غير محدودة.

majamal@emirates.net.ae