يعيش السياسي ويموت.. يذيع صيته أو يخمل ذكْره.. ولكنه في كل حال يظل مذكوراً من خلال قول أطلقه أو حين يستعيد المحللون والمؤرخون وصفاً أو عبارة وردت يوماً على لسانه ومن ثم انتشرت وذاعت بين الناس.
وبقدر ما ينعم السياسي بموقعه المتميز.. بقدر ما تزداد مسؤوليته عن كل قول أو تصريح: ألا ترى إلى نيكولاس ساركوزي وزير داخلية فرنسا الحالي.. وقد لصقت به حروف الوصف غير اللائق الذي أطلقه على جمع المتظاهرين والمحتجين الرافضين أوضاع الفقر والتمييز والإقصاء والتهميش خلال أحداث العنف التي اجتاحت ضواحي باريس ومدناً أخرى في الفترة القريبة الماضية؟
يومها لم يتورع ساركوزي عن أن يطلق على أفراد هذه التظاهرات – الاحتجاجات وصفاً ارتفعت لإيقاعه حواجب المحللين والمراقبين وهو: (الحثالة)، ويرادفها بالضرورة نعوت مماثلة أخرى من قبيل الدهماء والطِغام وقد استخدمها القوم لوصف المشاركين في انتفاضة اقتحام سجن الباستيل وكانت أولى شرارات الثورة الفرنسية الكبرى في 14 يوليو من عام 1789.
ويرادفها في أدبياتنا التاريخية الحديثة مصطلحات مؤرخنا المصري الشهير عبدالرحمن الجبرتي التي استخدم فيها بدوره أوصافاً من قبيل »حشو العامة والزعران والحرافيش«.. الخ
والحاصل أن الوزير الفرنسي ساركوزي استخدم، كما نقلت صحيفة »الموند«، لفظين أسوأ وقعا حيث وصف المتظاهرين، وكانوا في معظمهم من شباب المسلمين والعرب وهم بداهة مواطنون فرنسيون أو على أقل القليل كانوا مهاجرين أو مقيمين شرعيين.
أما اللفظ الأول فهو »كاناي«.. بمعنى النفايات.. أو هي القمامة بمعنى أكثر صراحة.. في حين كان اللفظ الثاني هو »الڤويو« بمعنى طغمة الصعاليك أو المنحطين.. أو البلطجية إن شئت الإحالة إلى المصطلح الذي واكب وقائع بل معارك الانتخابات الأخيرة في مصر العربية.
في السياسة العربية المعاصرة مثلان لاثنين من القيادات دفع كل منهما – للأسف – حياته على مذبح السياسة والعمل العام.. الأول هو الرئيس أنور السادات رحمه الله الذي اقترب من أسلوب ساركوزي حين تواترت إليه أخبار التظاهرات العارمة والاحتجاجات العنيفة الغاضبة التي شهدها يوما السابع عشر والثامن عشر من يناير من عام 1977.. وقتها كان الرئيس المصري ينعم بشمس أسوان الدافئة في الجنوب..
والأكيد أن انتابته ثورة من الغضب والتوتر العصبي فكان أن رفض تفسير الأمر على أنه كان انتفاضة فقراء وأشباه فقراء يحتجون على رفع الأسعار بغير مبرر معقول ولا سابق إنذار. ويومها أيضا أطلق السادات توصيفه الشهير لحركة الجماهير في يناير 77 وقال:
(انها انتفاضة حرامية)وذهبت العبارة مع الرجل إلى المثوى الأخير والى سطور دفتر التاريخ، تماماً كما ذهبت مع سياسي مصري آخر هو المرحوم أمين عثمان الذي كان وزيراً بارزاً للمالية خلال النصف الأول من عقد الأربعينات الماضي..
وتجسدت مشكلته بل مأساته في أنه كان مقتنعا بضرورات استمرار العلاقة الوثيقة بين مصر وبريطانيا وكان ذلك بالطبع على عكس إيمان وقناعات حركة النضال الوطني من أجل جلاء بريطانيا وإنهاء احتلالها ومن ثم علاقتها (الإمبريالية) بوادي النيل:
يومها (إن العلاقة بين مصر وبريطانيا أشبه بعلاقة الزواج الكاثوليكي)، وكانت هي نفس العبارة التي كلفت الرجل حياته حين أقدم نفر من الشباب على اغتياله خلال تردده على ناد للقوات الإنجليزية في وسط القاهرة.
في أميركا أيضا لا يذكر الناس رئيسهم الأسبق ريتشارد نيكسون إلا ويرددون مع الذكرى أصداء العبارة التي أطلقها دفاعا عن دوره المذموم في التغطية على فضيحة ووترجيت عام 1974. يومها ظهر نيكسون على شاشة التلفاز يلقي خطابا لم يقتنع به أحد ويختمه بعبارته الشهيرة:
(لست محتالا ولا نصّابا)، وجاءت العبارة للأسف بعكس المطلوب. أما الرئيس الحالي بوش الابن فمشكلته جاءت في أعقاب ملابسات الحادي عشر من سبتمبر كان مفهوما أن ساكن البيت الأبيض يعاني حالة من التوتر والإجهاد – العصبي على وجه الخصوص..
وربما كان مطلوباً أن يرفع رئيس الولايات المتحدة نبرة التشدد والتحدي من أجل طمأنة جماهير بلاده على أمنها القومي من ناحية ومن أجل إطلاق قذائف التهديد والوعيد ضد ما اصطلح مستشاروه على وصفه بالإرهاب من ناحية أخرى.
في غمار هذا التشدد والتوتر لم يتورع الرئيس بوش عن إطلاق عبارة قال فيها ما معناه: إننا بسبيل خوض »كروسيد« جديدة و»كروسيد« كلمة خطيرة لها إيقاع خاص مشحون بدلالات تاريخية معينة في التراث والذهنية الغربية.
وسواء نطقها الإنجليز الأميركان »كروسيد« أو نطقها الفرنسيون »كرواسيد« أو نطقها الأسبان »كروسادا« فهي مشتقة في كل حال من مادة الصليب (الرمز المسيحي المعروف)، والكلمة توردها معاجم اللغة في معنيين أساسيين..
أولهما ينصرف إلى الحملات العسكرية التي شنها الأوروبيون في العصور الوسطى لاستعادة الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين (قاموس وبستر الأميركي). في حين ينصرف التعريف الثاني بالضرورة إلى أي حملة ناشطة (بمعنى مجهود منظم) يتم شنها في سبيل قضية ما. (قاموس اكسفورد الكبير).
أما في المعاجم وفي سجلات وذكريات التاريخ العربي ـــ الإسلامي فمازال لفظ »كروسيد« ينصرف ـــ موضوعيا ـــ إلى الحروب الصليبية التي كانت في التحليل الأخير حملات شنها مستعمرون وحكام إقطاعيون ومغامرون طامعون من أوروبا لاحتلال واستغلال الأراضي العربية في منطقة فلسطين واتخذت الصليب شعاراً والدين ستاراً لتسويغ وتبرير هذه الحروب الاستعمارية.
وهكذا جاءت كلمات الرئيس بوش في خريف عام 2001 لتثير كوامن وذكريات الصراع الذي كان بين الشرق والغرب منذ أكثر من سبعة أو ثمانية قرون.. وكان ذلك أمراً سلبياً إلى حد ليس بالقليل.
صحيح أن دهاقنة الإعلام في واشنطن حاولوا تبرير وتخفيف استخدام مصطلح كروسيد (الحروب الصليبية) على لسان بوش.. فقالوا إنه سبق وروده على لسان الرئيس ايزنهاور دون أن يثير أياً من ردود الفعل السلبية..
لكن الصحيح أيضاً أن كان الجنرال ايزنهاور بصدد تشجيع جنود الحلفاء الذين كان يقودهم في آخر جولات صراعهم مع النازي فاستخدم مصطلح »كروسيد« في مفهومه الثاني أي بمعنى حشد الجهود وتعبئة الإرادات وكان ذلك وسط أجواء التحفز من أجل الفوز في معارك الحرية..
هذا في حين أن الرئيس بوش استخدم التعبير وسط أجواء مشحونة بالتوترات وفي حمى مقولات وطروحات شديدة الالتهاب ليس أقلها ولا أخفها مقولة الصراع لدرجة التصادم بين الحضارات والثقافات.
كاتب مصري