التطور المعرفي مشروع تراكمي، يبدأ بخطوة ولا يكاد يصل إلى نهاية. ولأن لكل شعب من دهره ما تعوّدا، فمن الطبيعي أن تستمر الشعوب والحضارات المنتِجة والمصدرة للعلوم والتقنيات على عادتها في الإنتاج والتصدير لبقية دول العالم.
وكذلك أن تستمر الشعوب والحضارات التي اعتادت الاستهلاك على عادتها في الأخذ عمّن بذل كل ما يستطيع من أجل الوصول إلى ما يشهده هذا العصر من تطور ملموس في مختلف مجالات الحياة، لا سيّما الجانب التقني والإلكتروني الذي يميز عصرنا هذا عن غيره.
وفي هذا العصر أصبحنا نلاحظ بوضوح أي شقي العالم متكفل بالإنتاج التقني والمعلوماتي وأيهما مكتفٍ بالاستهلاك السلبي، فإذا سلّمنا بهذه الحقيقة بيأس من لا يملك طاقة التغيير التي تحتاج إلى إرادة جماعية.
ورغبة حقيقية في إلغاء صورة وإحلال أخرى محلها، فلا بد لنا حينئذ من محاولة تطوير خاصية الاستقبال والاستهلاك التي بدأت تفقد بريقها عندنا، بعد أن أصبحت تقوم على الانتقائية والاختيار اللذيْن لا يُعرف لهما ضابط أو معيار.
إن الدول المصدّرة للتقنيات والتي انبثقت منها الثورة المعلوماتية بلغت اليوم آفاقاً يصعب على الكثيرين منّا مجرد تخيّلها وإقامة صورة لها في ذهنه، ناهيك عن استيعاب وجودها وكينونتها بعد حين من الدهر لا يبدو أنه سيطول.
ولعلّ موضوع هذه السطور يمثل أفقاً واحداً من تلك الآفاق التي نقبع بعيداً عنها في زوايانا الخاصة، نتصفح شبكة الإنترنت واهمين أننا نقبض على العالم بين أصابعنا، بينما العالم يسير في طريق آخر، بعيد وسري لا نعرف عنه إلا ما يسمح لنا هو بمعرفته.
إن حديث الساعة في المؤتمرات العلمية المتمحورة حول تقنية المعلومات في المراكز العلمية الكبرى التابعة للدول المصدرة للتكنولوجيا الرقمية الحديثة يدور حول جيل جديد من الإلكترونيات هو جيل (النانو)، الذي يبشر بتقنية النانو، أو بالمصطلح الأكثر شيوعاً له مجاراة للمصطلح الأجنبي (النانوتكنولوجيا).
ويشير هذا المصطلح إلى علم جديد كلياً على الكثيرين منّا، لا تكاد أخباره تتردد كثيراً في وسائل الإعلام العربية المختلفة، سواء المرئية أو المسموعة أو المقروءة، مع أن العمل عليه في المعامل بالغة السرية في الدول المتقدمة المهتمة به كالولايات المتحدة، واليابان، وغيرهما، بدأ قبل خمس عشرة سنة من الآن تقريبًا.
وكأننا لم نكتفِ بإعراضنا المعهود عن مجال الإبداع في التخصصات والمستويات المختلفة، فأضفنا إليه إعراضاً مماثلا عن متابعة آخر المستجدّات في مختلف فروع العلوم والمعارف، لنزداد جهلا على جهل.
ولعلّ هذا يوافق رغبة الدول الكبرى، التي تحاول إحاطة مكتشفاتها وأهم إنجازاتها بأسوار منيعة من السرية والتكتم إلى أن تقطع فيها أشواطاً طويلة، وتتمكن من السيطرة عليها بشكل تام، فتقوم بعد ذلك بالإفصاح عنها، والترويج لها.
وقد بدأت هذه الدول فعلا بالترويج لمكتَشفها الجديد، فأصبحت له شهرة واسعة الآفاق عالميًا، إلا أنه مع وجود 40 ألف عالم أميركي لديهم القدرة على الخوض في هذا العلم عام 2005م، لا يزال شبه مجهول عربياً حتى هذه اللحظة، ولا نعرف إلى متى سيستمر هذا الجهل، ولا متى سيتوقف.
وتُعرّف التقنية النانوية بأنها مستوى من التقنية يتم وفق مقياس النانو، والنانو هو وحدة قياس تعادل واحداً من المليار. وبالتالي فإن (التقنية النانوية) هي العلم الذي يتعامل مع المكونات الدقيقة للمادة على مقياس واحد من المليار من المتر.
وقد بدأ ظهور هذا العلم فعلياً والاهتمام به في الأوساط العلمية عام 1990م. ومع وجود بعض الأصوات التي تشير من بعيد إلى أن اكتشاف هذا العلم يعود إلى العالم المصري أحمد زويل، إلا أن معظم من كتب عن (التقنية النانوية) ينسب اكتشافها إلى عالم الرياضيات الأميركي إريك دريكسلر.
ويعدّ إريك دريكسلر المؤسس الفعلي لــ(التقنية النانوية)، وذلك بحسب ما جاء في كتابه (محركات التكوين- Engines of Creation)، الذي صدر عام 1986م. وقد أشار فيه إلى أن هذه التقنية تدور حول محور واحد ومحدد.
وهو أن أي شيء في هذا الكون يتكون من مجموعة جزيئات، تتراصف لتكوّن أشكالا مختلفة، فإذا استطعنا إعادة تشكيل جزيئات الأشياء بشكل مختلف عما هي عليه في الأصل، وحسب مواصفات فيزيائية معروفة علمياً فإننا سنتمكّن من إنتاج أشياء أخرى أخف وأقوى وأحسن وأطول عمرًا.
ويعكف العلماء منذ ما يزيد على عقد من الزمان على الإفادة من هذه التقنية، من خلال محاولة تصميم روبوتات وأدوات متناهية الصغر في الحجم، قادرة على تحريك الجزيئات، حتى تتمكن من مضاعفة ذاتها تلقائيًا، دون تدخل من أي عامل خارجي.
وهم يتنافسون في جميع أنحاء العالم على التعرف إلى الأوجه المحتملة لتوظيف هذه التقنية الجديدة في شتى مناحي الحياة، إذ لن تقتصر الإفادة منها على مجال الإلكترونيات وعلوم الحاسوب فقط، بل ستمتد لتشمل الاستخدامات العسكرية، والطبية، والكهربائية، وغيرها.
بقيت أخيراً الإشارة إلى إن لـ(التقنية النانوية) حدّين؛ فالكائنات النانوية قد تفيد كثيراً في إنجاز ما لا يستطيع غيرها إنجازه، ولكنها إذا خرجت عن سيطرة صانعيها من الممكن أن تصبح خطراً يهدد البشرية كلها. وقد ووجهت هذه التقنية باعتراضات شديدة من قِبَل بعض الذين يؤمنون بإمكانية تحقيقها، ويعرفون خطورة التمادي فيها.
العالم، هناك بعيداً عنّا، ينقسم قسمين، قسم منتِج، وقسم متلقٍ، والقسم المتلقي ينقسم قسمين، قسم مؤيد وقسم معارض، ولكل منهما أسبابه ومبرراته، ونحن لا نزال في غفلة عما يدور بعيداً عنّا، وكأن الأمر لا يعنينا، أو هو فعلا لا يعنينا، إذ سلمنا مقاليد أمورنا للآخر يتصرف بها كيف يشاء، وليس لنا إلا القبول والطاعة.
sunono@yahoo.com
جامعة الإمارات