أكتب مقالتي اليوم لمناسبة انعقاد مؤتمر الإعلام العربي والعالمي الذي تنظمه مؤسسة الفكر العربي ونادي دبي للصحافة في دبي متمنين ان يحقق اهدافه النبيلة التي تحتاجها حياتنا المعاصرة من اجل بناء مستقبل منظومتنا الاعلامية في العالم شاكرين للمؤسستين المرموقتين حسن صنيعهما .

لقد حان الوقت للعمل من أجل ميثاق مهني اعلامي وتجّمع دولي يسّد فراغا هائلا يتطلبه واقعنا العربي المعاصر بعد ان افتقدنا زمنا ثمينا من تاريخنا السياسي ومشروعنا الاعلامي على يد من كان سببا في تزييفه وهتك مكوناته بتقييده وشّله وجعله اداة لاشعال حروبنا الباردة وبالتالي تأخرنا وتشرذمنا وهزائمنا ..

ها قد دخلنا مرحلة تاريخية جديدة من ابواب واسعة تنادينا بعد ان تفككت عرى قوى بوليسية وتحلّلت غطرستها، ولكن على حساب تنامي قوى تكفيرية ودموية وإرهابية، وتراجع القوى الإصلاحية والعقلانية والمستنيرة بعد فشل تجاربها .

ولقد ظهر مع افول القرن العشرين جيل جديد من الاعلاميين العرب الممتازين الذين هم اكثر قدرة على الحركة من جيل سابق ، ولكن المهنية الإعلامية العربية لم تزل في مأزق خطير.

وها أنا أجد بأن أغلب النخب الاعلامية باتت تنتظرها الجماهير من اجل ان تملأ الفراغ العربي الهائل الذي خلفّه وسيخلفه البدائيون والمتخلفون والفوضويون من الاعلاميين !

إنني لا اقترح عليكم دكانا اعلاميا شعاراتيا تقليديا، بل اقترح مشروع ولادة ميثاق عمل اعلامي مهني عربي يتجمع حوله كل الاعلاميين ليكون منطلقا حقيقيا يوّضح حاجة منطقتنا وعالمنا .

وكل محيطنا الى عقد اعلامي حرّ يؤّمن المستلزمات الاساسية لبناء المستقبل المضيئ . وبهذه المناسبة، أود القول بأن اي ميثاق اعلامي ينبغي ان يتضّمن المبادىء الاعلامية الحرة من اجل الوعي بها وترجمة سلطة الرأي العام في كل مكان .

ان ميثاقا كهذا لابد ان يّوضح بأن المهنية الاعلامية ستصبح مسؤولة عن اي فراغ أمني او سياسي قد يحدث هنا او هناك، أو ما قد تسبّبه حالة فوضى او ما قد تساعد عليه حركة عصيان تدفع بها .

وتبلورها عمليات ارهابية وتغطية جوانبها واشاعة افكارها .. كالذي تعاني منه اي تجارب اعلامية عربية تحت حجج الحريات الصحافية . ان اي ميثاق اعلامي عربي حقيقي لا يمكن ان يؤمن اي مجال للاستقرار والتطور ان ارتبط بسياسة اي دولة او اي نظام سياسي .

انني اتمنى ان يغدو مرجعا أساسيا لجملة من المسائل الحيوية التي يحتاجها الرأي العام العربي لترجمة مشاعر الناس وآرائهم وافكارهم واخبارهم وكل آمالهم بمعزل عن اختلاف الرؤية والرأي وهذا لا يمكن تأمينه ان لم تترسّخ الشفافية والصراحة والمكاشفات لدى كل الاعلاميين انفسهم قبل ان تتوفر لدى الآخرين .

الحصون مهددة من دواخلها

انكم أيها الاصدقاء كثيراً ما تتهّمون بتهم كبيرة، وسواء كانت صحيحة او غير صحيحة .. فان ضمانة الاعلام العربي يكفلها ارساء تقاليد راسخة لاعلام عربي يلتزم بميثاق شرف مهنة تراعى فيه المصالح العليا للبلدان العربية .

والابتعاد تماما عن الاساءات المتعمدة لمشاعر الجماهير وهيبة الدول وآراء الناس .. ثم الابتعاد عن استخدام اللغة العادية والفجة والمعادية والاستفزازية .. وللاعلاميين كل الحرية باثارة اي موضوع.

ولكن المشكلة في كيفية معالجتهم فيتصنعون الاثارة ويزيدون من المشكلات .. ولم يزل اعلاميونا يقّلدون هذا الاعلام او ذاك من الناحية الشكلية ولكنه يختلف عنه في المضامين . لقد كانت مؤسساتنا الاعلامية ولم تزل وراء حدوث أزمات حادة بين اغلب الدول العربية ..

اما مؤسسات أخرى فلم تزل تعيش على »الفبركة الصحفية« وما تقدمه من اعلام مزيّف وتبقى مصّرة على اساليبها بكل شراسة وبشاعة ناهيكم عن عطب بعض من يعمل فيها اذ تكفي سذاجتهم في الكتابة او الخطاب وهزال عمله وشراستهم ان تكّلف كثيرا.

والمطلوب ازالة الغشاوة عن عقول اجيال تربّت وتكّونت في القرن العشرين، وبعد ان أساءت كل المراحل التي اعقبت الحرب العالمية الثانية الى الاعلام العربي ومشروعاتها سواء المقروءة او المسموعة او المرئية فكرا.

وممارسة وتطبيقات على ايدي اعلاميين عرب معروفين افتقدوا المصداقية عندما زرعوا اساءات بالغة ضد شخصيات ودول وكيانات ومؤسسات واحداث على مسمع ومرأى كل الناس .. فمن الضرورة تشريع قانون يلتزم به الجميع.

وان مجرد تخطّيه يلزم بالتحقيق والعقاب بدل ابقاء الاعلام العربي منفلتا من دون اي ضوابط قانونية او تقاليد اخلاقية او اساليب مهنية الى جانب الشفافية والمكاشفات من اجل خلق اجواء تفتح رئة كل مجتمع من مجتمعاتنا فتحا مبينا كي يجدد هواءه وصحته بعد ان اصيب بالتقّيح والعفونة والضعف .

مستلزمات بناء اعلام عربي ناضج لابد للاعلام العربي ان ينضج عبر مراحل زمنية تترسخ عبرها تقاليد محترمة تحدد ملامح ما يمكن تطبيقه تأصيلا وما لا يمكن ممارسته فوضويا باسم الحريات.

اذ لا يمكن الركون والبقاء على الحالة التي نعيشها اليوم . ان مرور اكثر من قرن كامل على بدايات الاعلام المعاصر كاف لأن ينضج اليوم خصوصا وان مجالاته قد اتسّعت وآلياته قد كبرت واجهزته قد تطورت ..

ولا اريد ان اقّدم لكم وصفة انشائية عادية، ولكن الضرورة تستلزم التغيير من اجل صناعة مستقبل واعد لمنظومتنا العربية وعالمنا الكبير كي نرّسخ اقدامنا دوليا ولتكن لنا وكالة عربية عالمية لصنع اخبارنا وتحليل مواقفنا والمشاركة تحت الشمس .

وعلى الاجيال القادمة ان تعمل ضمن آليات براغماتية ووسائل من الشفافية والأمانة والحيادية، فيغدو الاعلام العربي مدرسة لصنع القادة الجدد وقد تخّلصوا من كل اجندة الماضي الصعب وما حفلت به من دعاوى المؤدلجات واكذوبات الشعارات وبؤس الكتابات وغرابة الماضويات ورنين الموعظات وشراسة الملاحقات .

وبشاعة الممنوعات والمحرمّات وشناعة ما دار في الاذاعات وما يدور اليوم على شاشات الفضائيات وما يبث في مواقع الالكترونيات .. فهل ستنطلق الاعلاميات العربية من اطواقها ومن شرانقها نحو فضاءات جديدة من قدرات التفكير الحر وصنع الارادات الخيرة ؟؟

مؤرخ عراقي