ثبت بالدليل القاطع أن الأميركان الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً، واعتبروا أنفسهم أصحاب الحق الحصري في موضوع الديمقراطية، وأنهم علموا البشرية دروس الشفافية وحرية الإعلام وكل منظومة القيم الكبرى في تاريخ البشرية ــ ثبت مؤخراً أنهم يتعاطون مع الإعلام العربي وغير العربي ربما ــ بمنطق »إدفع.. تقبض« فهم قد دفعوا لبعض الإعلام العراقي من أجل نشر مقالات وتحقيقات في صحف عراقية تمجد العمليات العسكرية الأميركية، وتجمل وجه الجيش الأميركي وممارساته هناك!

طبعاً، النقاش محتدم في الولايات المتحدة حول هذه الفضيحة، فهناك إعلام حر وموضوعي وهناك صحافيون وصحف نزيهة وشريفة في الولايات المتحدة، ويجب الاعتراف بذلك بعيداً عن رأينا بممارسات الإدارة والجيش الأميركي في العراق، فالعاقل من لم تمنعه العداوة والاختلاف من الاعتراف بفضل من يختلف معه. لكن منظومة متكاملة اهتزت في نظر الكثيرين بسبب هذا السلوك من قبل الجيش الأميركي.

في ملف الفساد قصص شتى، إذا رويت وكشفت فإنها لن تترك مجالاً إلا وطالته، لكن وهذا ما يجب التأكيد عليه، فإن الفساد لا يتأسس ولا ينمو من فراغ أو في الفراغ، الفساد حالة متكاملة تقود إليه وتنميه وتقويه، وأحياناً تحميه وتدافع عنه، فكل فاسد هناك من أفسده، وغالباً ما يفسد المال كل شيء تقريباً، هذا أيضاً لا يمنعنا من التأكيد على أنه حتى مع وجود المال فإن الاستعداد أو التربة المناسبة عامل أهم، فأموال الدنيا لا يمكنها أن تشتري ذمة صحافي شريف ودعوة عشاء تافهة يمكنها ان تغير قناعات صحافي آخر تافه كدعوة العشاء تماماً، ليس الإعلام فقط هو الفاسد، ففي الفساد لا أحد بعيد عن مرمى الاتهام!

في الإعلام يبدو الفساد طبيعياً ــ وطبيعياً هنا لا يعني أننا نوافق عليه أو نعترف به ــ ذلك أنه المجال الذي لا يستغنى عنه السياسيون وأهل الاقتصاد والمصالح والأهداف الكبرى، كلهم يحتاجون إلى الإعلام ويتقربون إلى الإعلاميين، ويريدون كسبهم من أجل هدف واضح، الظهور والبروز والترويج سواء للشخص أو المشروع أو الفكرة أو لكسب الجماهير، ومن هنا يبدأ كل شخص في تحديد تعامله مع الإعلام وفق المثل القائل: »الإناء بما فيه ينضح«!

هناك من يقدره، وهناك من يتحاشاه، وهناك من يحاول نيل رضاه، بأن يدفع له الأموال، الهدايا، الولائم والسفرات للخارج.. ولذلك حمى الإعلام نفسه في كل الدنيا من سطوة المال وجبروته بما يعرف عالمياً بمواثيق الشرف، فالصحافي الشريف لا يرضى بأن يتقاضى من مصادره حتى مجرد ثمن فنجان قهوة، بينما آخرون يقبضون ما لا يمكن تخيله، والقصص في هذا المجال أكثر من الهم على القلب!

تبادل الاتهامات بين السياسيين والإعلاميين ليس بالأمر الجديد، لكن مناقشة هذه القضية تحتاج إلى مكاشفة وشفافية ومصارحة قد لا يقوى عليها الطرفان!

sultan@dmi.gov.ae