بقدر ما كان إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان بشأن انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي مفاجئاً، فإنه في الوقت نفسه كان متوقعاً، خاصة من قبل النخب السياسية والمثقفة في المجتمع.

وبقدر ما اتسم القرار بالجرأة والشجاعة، فقد عبر عن قدر هائل من الحكمة والواقعية، وكل ذلك ليس بجديد على القيادة السياسية المخلصة لنهج الوالد الباني الشيخ زايد بن سلطان طيب الله ثراه.

فبعد حديث في الداخل والخارج حول ماهيّة التغيير الذي سيحرك هدوء الحراك السياسي في الإمارات، جاء إعلان رئيس الدولة في توقيته المناسب ليشكل خطوة في غاية الأهمية في مسيرة دولة الاتحاد، هذا الاتحاد الذي راهن البعض على مسألة استمراره وبقائه بعد رحيل الشيخ زايد، فإذا بالحكيم خليفة يثبت للجميع بأن الحكمة في نهج زايد باقية،.

وبأن العهد على بقاء الدولة خارج الرهانات، فهي مسألة وجود وحياة ومستقبل، وهذه أمور لا تقبل القيادة السياسية ولا يقبل أبناء الاتحاد أن توضع على محك الرهان والتأويل أبداً!

لقد سارت الإمارات منذ أن أسسها الآباء العظام الأوائل يتزعمهم المغفور لهما الشيخ زايد والشيخ راشد، في محيط متلاطم بالأحداث السياسية الكبيرة والخطيرة، كما واجهت العديد من الأزمات والمواقف العاصفة داخلياً وإقليمياً وعالمياً.

وفي كل تلك الأحداث وأمام كل تلك الأزمات لم تغير الإمارات نهجها السياسي العربي الهادئ والحكيم والمتوازن والجانح صوب السلام دائماً، بهذا النهج عالج المغفور له الشيخ زايد كثيراً من أزمات الداخل، وقضايا الحدود، وأزمات الجوار.

وبقي هو الحكيم الذي لا يجارى في حكمته، وبقيت الإمارات البلد الوحيد الذي بلا أزمات وبلا خلافات مع الجميع، هكذا تركها زايد الحكيم، وهكذا تسلم القيادة من بعده خليفة بن زايد ليتواصل النهج.

اليوم، يواجه العالم كله، والإمارات جزء مهم من هذا العالم، أزمات تعصف به، وتطرح على بساطات البحث والنقاش والجدال وأحياناً الضغط والتحدي طروحات جادة ومهمة لا تستطيع الإمارات أن تكون بمعزل عنها، كقضايا الإصلاح السياسي والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وإصلاح هياكل المؤسسات، إضافة لما تحتاجه الإمارات نفسها كاحتياج داخلي ملح يتعلق بتقوية هياكل الدولة الاتحادية وتفعيلها وصولاً إلى علاقة قوية مع قضايا المواطنين، وتعزيز مطلوب وحاسم لقيم الانتماء للدولة باعتبارها الوطن الأم والأكبر والأشمل!

هذه التحديات، مطالب الإصلاح السياسي، إصلاح هياكل الدولة الاتحادية، تعزيز قيم الولاء للوطن بترسيخ وتقوية أدوار مؤسساته، قد أخذتها القيادة السياسية الجديدة على محمل الوعي والاهتمام، فجاء الإعلان الأخير بشأن انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني.

وصولاً إلى انتخاب كامل ومباشر وما تبعه من إعلان مقترحات أخرى بشأن إجراء تعديلات على دستور الإمارات، وزيادة أعضاء المجلس الوطني، كل ذلك جاء تماشياً مع متطلبات المرحلة التي تمر بها المنطقة، واحتياجات المرحلة المقبلة من عمر التطور والتغيير الذي تعيشه الإمارات.

إن الدخول إلى مرحلة الانتخابات، حتى وإن كانت جزئية كبداية، فإنها خطوة لابد منها، كدليل على وعي واهتمام بكل الحاصل عندنا وحولنا، وهي اعتراف واضح بأهمية النهج الديمقراطي كنهج يعتمد المشاركة بين القيادة والمواطنين.

وهي تأكيد على إقرار حقوق الإنسان كمبدأ دولي عالمي يقوي موقع الدولة ضمن المنظومة العالمية التي أقرت هذه الحقوق على أنها حقوق واجبة وملزمة وليست مجرد ترف سياسي يمكن التغاضي عنه.

sultan@dmi.gov.ae