هل ترتبط مصائر الدول بمن يحكمها؟وهل ترتبط مصائر الشعوب بقرارات رجل واحد؟مما يعرف عن الدول الغربية أن سياسات بلدانها الخارجية والداخلية نادراً ما تتغير أو تتأثر بتحول النظام من اليمين إلى اليسار.
وعندما ينتقل زمام الأمور إلى يد الأحزاب اليمينية مثلا بعد بقائها في يد الأحزاب اليسارية حتى ولو طال الزمن ـــ كما حدث في الجمهورية الفرنسية بعد سقوط الحزب الاشتراكي وعودة اليمين ـــ أو من حزب المحافظين إلى حزب العمال كما هو الحال في المملكة المتحدة.
أو الحزب الديمقراطي إلى الجمهوري كما هو الحال في الولايات المتحدة الأميركية، فإن البنود العريضة لسياسات مثل هذه الدول تظل أموراً ثابتة وعلى جميع الأصعدة .
ولا تتغير إلا بنسب معقولة وفق ما يتطلبه البرنامج الانتخابي. وكثيراً ما يشعر المنتخبون بالإحباط والتذمر لعدم تبدل السياسة الجديدة للمرشحين المنتخبين بناء على تلك الوعود التي كانت تسبق الانتخابات.
ومما يعتد به في أنظمة تلك الدول من حيث الاستقرار السياسي هو مشاركة الأحزاب المعارضة في توجيه دفة الحكم من خلال البرلمانات المنتخبة والموزعة مقاعدها حسب نتائج الانتخابات الشعبية. أي أن الحزب الحاكم أياً كان توجهه وبرنامجه الإصلاحي لا يمكن أن يطلق لنفسه العنان في قلب النظام الذي سبقه.
وعندما نتوجه بالنظر إلى الأنظمة السائدة في المنطقة، فإن النظام بمجمله يظل قائما على وجهة نظر (رجل) واحد يستحيل مشاركته الرأي مهما كلف الأمر إلى أن يقضي الله بانتقال السلطة إلى (رجل) آخر إما بوفاته أو بانقلاب عسكري. عندها تنقلب الأمور رأسا على عقب.
وفي كثير من الأحيان يدفع الأعوان السابقون ضريبة حبهم للحاكم السابق وولائهم له (سواء كان عن حب أو عن مصلحة أو إكراها) فمنهم من يسجن ومنهم من تبدأ مطاردته ومنهم من تتم مضايقته حتى يفر أو ينتحر (ويطلق الفرنسيون على هذه الظاهرة: مطاردة المشعوذات باعتبار أنهم سبب البلاء والخراب!!!) ومنهم من يغادر خفية (أو خيفة) إلى جهة غير معلومة.
وعادة ما يكون الوصي خلال فترة انتظاره الجلوس على العرش مؤيدا بشكل كلي لسياسة النظام القائم. ثم سرعان ما ينقلب عليه وكأنه كان من ألد أعدائه فيتخذ مساراً مغايراً تماماً لا لشيء إلا لفرض هيمنته واختلافه وتحكيم شخصيته المتميزة عن سالفه دون أي اعتبار للمصلحة العامة!
فيعيد بذلك رسم الخريطة الداخلية والخارجية من البداية. وكثيرا ما تتأثر علاقاته الدولية مع الخارج أيضاً. وقد تتطور إلى نزاع ويتحول النزاع إلى صدام.
وبما أن الاستقرار يعتبر من أهم عوامل استتباب الأمن الاجتماعي واستمرار البناء الاقتصادي فإن الأنظمة المتقلبة تأتي بنتيجة عكسية تماما. فلا يوجد من يتجرأ أو يغامر في الاستثمار في بلد قد ينقلب على عقبيه بين ليلة وضحاها!
لذا لا نسمع أبدا عن تخوف أي دولة أو أي فرد من تغير النظام الحاكم في بلد كألمانيا أو فرنسا أو غيرها من دول الكتلة الغربية. فالكل مطمئن من أن الأطر العامة ستظل تعمل على نفس النهج. والسبب يعود إلى أن هذه الدول المتقدمة اقتصاديا أولا والناضجة سياسياً ثانياً تنظر إلى أبعد من موقف الرجل الواحد تجاه أمة بأكملها.
فانتقال السلطة من هيلموت شميت (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) إلى هيلموت كول (الحزب المسيحي الديمقراطي) إلى جيرهارد شرودر (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) وأخيرا إلى ميركل (الحزب المسيحي الديمقراطي).
ورغم تنوعهم الحزبي لم يمنع من وجود آلية للاستمرارية وللتحالف لقيادة هذه الأمة التي أقلقت مضاجع أوروبا والعالم بأسره بحربين عالميتين متتاليتين امتدتا 30 سنة (1914 ـــ 1944) وحكمها رجل واحد يملك لوحده قرارا واحدا جر به بلده إلى الدمار الكامل لتنقسم أخيرا بسببه إلى دولتين:
شرقية اشتراكية وغربية رأسمالية بجغرافية غريبة الأطوار فرضتها عليها الهزيمة. فتعلمت ألمانيا بأن استقرارها لن يتم إلا من خلال رسم خطوط عريضة مستمرة ومتكاملة.
وهكذا نهضت من الغبار لتصبح أقوى دولة اقتصادية في أوروبا!قد يكون التغيير مطلوبا في كثير من الأحيان، ولكن بشرط أن لا يكون تغييراً مفاجئا أو يأخذ شكلا انتقامياً. فالتغيير المفاجئ يعطي دائما نتائج ضارة.
ونحن في العالم الذي يطلق عليه الثالث بحاجة إلى مثل هذا الاستقرار. والمسألة منطقية جداً وبديهية ولا تحتاج إلى تحليل: فالنظام الذي يقتلع (أو يبتلع) سابقه من جذوره ويلغيه تماما سيكون مصيره هو أيضا الزوال وبنفس النمط.
إن الأنظمة التي تعطي مواطنيها الحق في تقرير ¼ مصيرها فإن هذا الربع سيكون كافياً لاستقرارها: أي استقرار النظام ومن يرأس النظام ومن يطبق عليه.
جامعة الإمارات