المعرفة هي القوة

المعرفة هي القوة

يقول الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشيل فوكو ان المعرفة هي القوة، وهذا القول له ما يثبته في كل مجالات الحياة. فالمعرفة هي القوة، أولا لأن الشخص العارف شخص قادر على إدارة أمور حياته بشكل مستقل ولا يسمح للغير بأن يتحكموا في جوانبها.

وهو قادر على رؤية أبعاد الأمور بشكل يسمح له بالتحكم فيها تحكما جيدا. والمعرفة هي القوة لأن أفراد المجتمع حين يمتلكون المعرفة يكون بإمكانهم إدارة دفة أمورهم ومعالجة قضاياهم وتصريف أعمالهم، لا أن يطلبوا من آخرين القيام لهم بذلك.

والمعرفة هي القوة لأن مواجهة العارف للأمور تختلف عن مواجهة الجاهل، كما أن الشخص العارف شخص تصعب السيطرة عليه وجعله منقادا انقياداً أعمى لما يفرض عليه من قرارات ومن ظروف.

من هنا تبرز لنا أهمية أن يكون الهدف الأساس للتعلم هو اكتساب المعرفة في كل جوانب الحياة التي يحتاج الإنسان لمعرفتها من أجل إدارة أمور حياته وخدمة مجتمعه وتطويره التطوير المستمر.

وهذا ما يجب أن نضعه نصب أعيننا عندما نفكر في تطوير التعليم في بلدنا، لأن هذا هو ما سيجعل أبناءنا قادرين على مواجهة الحياة وهم متسلحون بالعلم، فاكتساب العلم هو ما يجعل للإنسان وللمجتمع المكانة التي ترفع من شأنه وتقوي من وجوده. أما الجهل فهو السبب الأول الذي يؤدي لتقويض المجتمعات وضعضعتها.

ونحن لسنا بحاجة هنا إلى أن نستعيد الأمثلة والحقائق حول هذه المسألة لأننا جميعا نعرفها ونتفق عليها. هدف العلم هو المعرفة، كما قلنا، وهو الهدف الذي يجب أن نعمل عليه، لكن على ما يبدو هذا ليس هو الهدف الذي يتحرك بناء عليه بعض من تأتي بهم مؤسساتنا التعليمية للعمل فيها بهدف أن تصبح تلك المؤسسات على مستوى عال من الجودة وحسن الأداء.

ففي تصريح لإحدى المسؤولات عن قطاع مهم من قطاعات التعليم في بلدنا قالت ان التطوير في مجال التعليم سيؤدي إلى خلق ظروف تفاهم أفضل بين الشرق والغرب، وهذا هو ما يتم السعي إليه.

بطبيعة الحال الإنسان المتعلم تعليما جيدا والإنسان الذي أعطته فرص حياته إمكانية الاحتكاك بالبشر المختلفين عنه عن قرب لديه استعداد أكبر للتفاهم مع الآخرين وتقبلهم من ذاك الذي لم تسمح له ظروف حياته وتعليمه في الانفتاح على العالم.

لكن هذا ليس هو المفصل في أهداف التعليم. فكما ذكرت، أعتقد بأننا جميعا نتفق على أن الهدف من التعلم هو اكتساب المعارف ومواجهة الحياة بشيء من الادراك والتفكر.

وهذا ليس له صله بموقفنا من الآخر المختلف إلا من حيث الإدراك أن هذا الكون خلقه الله متنوعا وأسكن فيه بشراً وكائنات بعضها يشبهنا وبعضها الآخر غريب علينا، لكننا لا نمتلك حق إلغاء وجود هذه الاختلافات بل يجب علينا ان نحترمها وأن نعززها، وهو إدراك يوصلنا إليه العلم.

نحن كشعب لا نعاني في سلوكنا من مشكلة إلغاء الآخر وعدم تقبله، بل ربما على العكس من ذلك، نحن نمتلك إدراكا معرفيا نابعاً من ركائزنا الفكرية يعلمنا أنه ليس هناك من فضل لأي جنس على آخر إلا بتقواه، وأننا كلنا لآدم وآدم من تراب. أي أننا لسنا بأفضل من غيرنا إلا بسعينا في الحفاظ على الحياة بشكل نابع من الاحترام وعدم التجاوز.

لذا، نحن لا ندفع بأبنائنا للتعلم لأنهم يعانون من مشكلة تقبل الآخر، وهذا في الأساس ليس هدفاً للتعليم في أي بلد كان، نحن ندفعهم للتعلم لأن الإنسان بحاجة للعلم لكي يكتسب المعرفة التي يحتاجها في حياته والتي تفتح له آفاق التعامل مع ظروف الحياة جميعها.

الموضوع الآخر الذي فرض نفسه على منظومة التعليم في بلدنا هو فكرة أن يخدم التعليم سوق العمل. وهذا في اعتقادي توجه له ما يبرره لو نظرنا إلى قضية أن الطالب الذي يدرس في التعليم الجامعي لسنوات طويلة بحاجة إلى أن يعمل بعد تخرجه من أجل أن يؤسس حياته ويستقل ماديا.

وأن يكون أيضا عضوا منتجا في المجتمع. لذا فإن التخطيط للتعليم في بعض المؤسسات التعليمية، أقول بعضها وليس كلها، يجب أن يكون منبثقا من دراسة المجالات التي يحتاج المجتمع إلى وجود أفراد فيه لكي يعملوا عليها.

فالمجتمع بحاجة إلى أطباء وإلى مهندسين في مجال التكنولوجيا وإلى متخصصين في الزراعة والبيئة والمياه والبترول وإلى مدرسين ومهندسي طرق، وكل ما يمثل جوانب العمل في المجتمع.

لكن المجتمع أيضا بحاجة إلى قادة وإلى مفكرين وإلى صناع قرار يمتلكون الرؤية المتكاملة حول ما يدور في الكون من أشياء، وهؤلاء يجب أن يأخذهم التخطيط للتعليم بعين الاعتبار، لأنهم هم من يدير دفة الأمور ويهندس لحياة المجتمع.

نحن بلا شك نعرف تمام المعرفة أن مجتمعنا بحاجة إلى أن يعزز جوانب العلم في أبنائه وأن يتم التخطيط للتعليم كأحد أهم أولويات المجتمع، لذا فإننا نرجو أن يتم تدارس قضايا التعليم بشكل موسع وعميق حتى لا نبقى متخبطين فيه وغير مدركين لأولوياته. التعليم هو ما يرفد كل جوانب الحياة والعمل في المجتمع.

وبالتالي فإن هدف أن يكون أبناء المجتمع متعلمين تعليما جيدا وقادرين على أداء المهام المطلوبة منهم في كل جوانب الحياة هو هدف له من الأهمية ما يجعلنا جميعا حريصين عليه، إن كنا حريصين على أن تكون حياتنا معززة بجانب السيادة على أنفسنا، وأن لا نكون تحت رحمة آخرين يتحكمون في ظروفنا، فالمعرفة، كما قلنا، هي القوة.

جامعة الإمارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات