لم يكن الخارج بريئاً من التدخل أو التأثير في شؤون الداخل في الدول الأخرى خلال التاريخ وفي معظم بلدان العالم، فقد أخذ هذا التدخل طابع الاحتلال أو الاستعمار المباشر أحياناً وأشكال التأثير غير المباشر أحياناً أخرى.
ولم يكن استقلال معظم البلدان استقلالاً مطلقا ًكاملاً إلا في حالات الدول الأقوى في كل عصر، أما الدول الأقل قوة فقد كان استقلالها دائماً نسبياً تشوبه شوائب عديدة في ضوء قوة الآخر الخارجي ومصالحه ومطالبه التي لا يستطيع الضعيف إغماض العين عنها.
فلم تكن بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ووسط آسيا مثلاً تستطيع تجاهل قوة اليونان وسطوتهم في عهد الاسكندر المكدوني في القرن الرابع قبل الميلاد.
كما لم تستطع الوقوف بوجه غزوات الإمبراطوريتين الرومانية ثم البيزنطية بعد ذلك واحتلالهما لهذه البلدان، وخضعت أجزاء من المنطقة العربية للاحتلال خلال القرون الثلاثة لغزو الفرنجة (الحروب الصليبية).
ولم تستطع بلدان أوروبا تجاهل مصالح الإمبراطورية العثمانية أيام قوتها ومجدها وغزوها لهذه البلدان أو تهديدها لها وفرض شروطها عليها.
كما خضعت الإمبراطورية العثمانية بدورها لمطامع ومطامح ومطالب الأوروبيين وقياصرة روسيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بعد أن تآكلت وازداد ضعفها.
واتقت دول شرق آسيا شرور الإمبراطورية اليابانية في القرن العشرين بتوقيع اتفاقيات إذعان معها، كما قبلت النمسا إملاءات ألمانيا وقبلت بلدان وسط آسيا الإسلامية تحقيق رغبات ومطالب قياصرة روسيا والأمثلة أكثر من أن تعد خلال التاريخ الإنساني.
تغير شكل نفوذ الخارج في النصف الثاني من القرن العشرين بعد انتهاء الحرب الباردة، فأذعنت دول أوروبا الغربية لنفوذ الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي لأسباب عديدة اقتصادية وسياسية.
وخضعت دول أوروبا الشرقية لنفوذ الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو مع أن بلدان أوروبا هذه غربيها وشرقيها كانت مستقلة تمام الاستقلال نظرياً إلا أنها كانت عاجزة عملياً عن التمرد على الخارج الأميركي أو السوفييتي القوي.
وخاصة في السياستين الخارجية والاقتصادية التي كان كل من القطبين يحدد مسارها وأبعادها، ومازالت الاحتكارات الأميركية في أيامنا هي الشريك المساهم الأهم في معظم شركات أوروبا الصناعية والمالية.
تراجع دور الداخل في تقرير مصيره بعد انتهاء الحرب الباردة وبدء عولمة العالم اقتصادياً وثقافياً وسياسياً، أي أمام ما سمي بالنظام العالمي الجديد واتفاقية التجارة العالمية بحيث لم يعد أي بلد يستطيع الانفراد بوضع السياسة التي يراها مناسبة لمصالح شعبه .
أو لقيمه الوطنية، حتى أنه يتعذر عليه دعم زراعته مثلاً أو رفع أو تخفيض الرسوم الجمركية على مستورداته وصادراته أو ضبط نمط الحياة الاستهلاكية لمجتمعه.
أو إقرار سياساته التعليمية والثقافية حسب رؤيته، وهو مضطر لاتباع مزيد من الحذر والتحسب إذا أرادت سلطاته التشريعية والتنفيذية إصدار قانون يتعلق بشعبه أو تعديل الدستور أو غير ذلك.
وفي المحصلة غدا الداخل مستلباً أمام الخارج سواء كان هذا الخارج دولة كبرى قوية، بعيدة أو قريبة، أم كان نظاماً عالمياً اتفق الكبار على صياغته وفرضه، أم نظاماً إقليمياً اقتضاه تطور الظروف العالمية ومعطيات عالم اليوم.
وهكذا تخلى الداخل عن عديد من المهمات الأساسية التي كانت له وتغير مفهوم السيادة وتراجعت أهميتها والاعتداد بها وصارت تطبق على فتات ما يتركه الكبار أو النظام العالمي أو الإقليمي أو كلاهما معاً، ولم تعد السلطة التي تزعم أنها سيدة نفسها ذات مصداقية.
والآن من يستطيع الجزم أن بلداً في العالم كله لا يضع نصب عينيه ضرورة تجنب غضب الولايات المتحدة أو مخالفتها في القضايا الأساسية أو اتقاء شرها في كل آن، سواء كان عدواً لها أم صديقاً قوياً أم ضعيفاً، وتجربة فرنسا وألمانيا في موقفيهما من العدوان على العراق ماثلة للعيان.
فقد اضطرتا للتراجع وإرضاء الولايات المتحدة وترميم ما خرب من عقد العلاقات معها، أو موقف روسيا الدولة العظمى والمدججة بالسلاح التي تضطر لأن توائم سياستها الداخلية بما لا يثير الولايات المتحدة واحتكاراتها.
وقد دخلت الشركات متعددة الجنسية دخولاً قوياً في اقتصاد معظم الدول الصناعية وغير الصناعية، ولم نعد نعرف إن كانت هذه الشركات الموجودة في بلد ما ملكاً لهذا البلد أو غيره.
وتتبع سياسته أو سياسة أطرافها الممتدة كالأخطبوط في كل مكان، وتسيّرها قيادات في خارج هذه البلدان، مما يجبر قرار الداخل للتراجع وربما للاضمحلال أمام الحاجة لاستدراج الاستثمارات الخارجية.
ترتبط جدلية الداخل والخارج إذن بتجاذب قطبين أو تنافرهما، والقطب القوي هو الذي يجذب الآخر ويهزمه، ولذلك يتعذر القول بأن الداخل بريء من تأثير الخارج في البلدان النامية والضعيفة، إلا أن مدى خضوعه يبقى أمراً نسبياً يرتبط بجملة من العوامل تزيد أو تنقص في ضوء الظروف الداخلية والإقليمية والدولية وتغيراتها.
كاتب سوري