لا يصدق الصغار في عائلتي ـ وربما في كل العائلات ـ أن زماناً كان قبل مجيئهم للدنيا لم يكن فيه تلفزيون في المنزل، ولا في أي منزل آخر في المدينة، فهم يرسمون ابتسامة ذات مغزى، حين تقول لهم أمي إنها ولدت في ذلك الزمان الذي لم يعرف فيه الناس التلفزيون، لكنهم يضحكون بشدة حين أضيف إلى معلوماتهم أنني حتى الثامنة من عمري لم يكن في بيتنا جهاز تلفزيون، كما أن التلفزيونات عندما دخلت بيوتنا كانت عارية من الألوان، كانت بالأبيض والأسود فقط.

يضحك الصغار، لأنهم يعتقدون باستحالة الحياة من دون تلفزيون وجهاز استقبال لعشرات القنوات، وجهاز تحكم لتغيير القنوات عن بعد، وجهاز فيديو وجهاز مشغل اسطوانات دي في دي، و... مساكين هؤلاء الصغار المرتهنون لعالم من الأجهزة والمختطفة أعمارهم وعقولهم من قبل صناع المواد الإعلامية بكل أطيافها، فلعبهم متلفز وأوقاتهم متلفزة، عيونهم مشدودة للشاشات أبداً، شاشة التلفزيون، البلاي ستيشن، الدي في دي، الموبايل، السينما، أجهزة الألعاب الإلكترونية،.. وكأنهم يتجهزون ليصبحوا ريبوتات أو مخلوقات آلية، ثم نستغرب ونتساءل: لماذا يتحول الصغار إلى أشخاص لا علاقة لهم بأسرهم وأمهاتهم وهموم مجتمعهم وأمتهم؟

عرف جيلي التلفزيون، ذلك الصندوق الخشبي، الذي غالباً ما كان يغلق بأبواب جرارة، بداية الستينات وارتبط به بسبب الرسوم المتحركة التي كنا ننتظرها لنستمتع بها لمدة ربع ساعة فقط لا أكثر ولا أقل، لا أشرطة فيديو، ولا قنوات كاملة للكارتون، ولا أفلام سينما ولا أي شيء آخر، 15 دقيقة ثم تهل برامج أخرى يتابعها الكبار، ويوم الخميس أو الجمعة فيلم عربي أبيض وأسود لنجوم الشاشة المصريين المعروفين في تلك الأيام! طبعاً لا جهاز «ريسيفر» ولا «ريموت كونترول»، ليس سوى عمود حديدي شاهق يرتفع فوقه هوائي (إريال) كان علينا أن نحركه يميناً ويساراً لنتمكن من رؤية الشاشة بوضوح، ولا أحد يغير المحطات لأنه لم يكن هناك سوى محطة واحدة أو محطتين!

كانت القصص والكتب التي بدأت تتسلل إلى البيت من مكتبة الفصل هي النافذة الأوسع على عالم آخر مختلف بكل أناسه وألوانه وأساطيره، وحين دخلنا المدرسة لم نكن نتحدث عما شاهدناه البارحة في التلفزيون، كنا نحكي عن مشاكساتنا الحلوة وشقاواتنا بين سكيك الفريج الذي كنا نسكنه.

كنا نقضي أوقاتاً في الحديث عن المطاردات وعمن تأخر في العودة للمنزل قبل المغرب ـ حسب وصية الأمهات ـ وعمن عوقب بالضرب لأنه فعل كذا أو كيت، كنا نضحك ثم نتواعد على شقاوات أكثر في اليوم التالي.

اليوم يتحدث الصغار؟ عن آخر موديلات الموبايل، وآخر أفلام «الأكشن» في السينما، وآخر الألعاب الالكترونية، وأحدث موديلات السيارات، وآخر اغاني نانسي عجرم وروبي، وآخر فضائح الشباب والبنات على البلوتوث!

ذاك جيل وهذا جيل، والفارق ليس كبيراً، الفارق باتساع وادٍ بين جبلين! وحينما نتحدث يقول شخص سمع الكلام ولم يصغ له بقلبه: «كل جيل يعيش زمانه» من قال غير ذلك؟ لقد كنا نتحدث عن التلفزيون الأبيض والأسود!

sultan@dmi.gov.ae