الثاني من ديسمبر تاريخ ووعي وذاكرة، تاريخ نهض على ضفافه كيان عزيز ووطن واجه الكثير، وسار قدماً رغم عثرات الطريق.. ووعورة الأحداث، وعي تأسس في دواخلنا بأننا بهذا الوطن نكون.. وبدونه فإن ما دوناه في سجل الأمم يبقى سؤالاً بلا إجابة، وصفحات بلا عنوان.. يغدو صفراً بلا نقاش، نحن الذين نتباهى في كل الدنيا بأننا أبناء الإمارات وأبناء زايد، نقبض على هذا المنجز بحرارة الروح، ووهج الحياة، نقبض عليه بالقلب والنواجذ.
الثاني من ديسمبر ذاكرة أجيال، وليس جيلاً واحداً، كلهم ولدوا على أعتابه، أو في معيته.. كبرنا معه وبه وله.. وكأنه شجرة لوز خضراء كبيرة تلف أرجاء البيت وتظله بود.
ولدنا وولد الوطن في داخلنا، سار في دمائنا، لم يعلمنا أحد أبجدية عشقه والانتماء إليه.. كان هو الأبجدية والحب الأول، كان كل ما حولنا يقودنا إلى غواية عشقه الجميل، وجوه الجدات والأمهات، أمواج الشاطيء، رمل السكيك والأزقة، أمان الطرقات، نهارات الشتاء الحلوة المبللة بالمطر، وصباحات الذهاب للمدرسة بكل الفرح.
ولدنا، وولدت أجيال بعدنا، فتحت أعينها فإذا الوطن شجرة لوز خضراء كبيرة تتوسط خضرة الروح والبيت، وضعوا جميعهم أجسادهم تحت الفيء الرائق، استظلوا الشجرة، وتسامروا تحت وارف الظلال، في ليالي الشجن كانت سحراً، وفي نهارات القيظ كانت برداً وسلاماً. كلنا صارت الإمارات دثار أماننا، تصهل محبتها في دواخلنا بأصوات تتطلع دائما لغد آخر، أبيض كقلب طفل.
هذا الثاني من ديسمبر يعبر سماءنا للمرة الثانية، وزايد الجميل ليس بيننا، بضحكة الأب الغارق في هيبته وفي العظمة، فقد هيأ كل أمكنة الفرح لأبنائه ودثارات الأمان، وحمل عصا أيامه ورحل ميمماً صوب فردوس الله، مصحوباً بالقلوب وبأدعية لا تنقطع: عليك الرحمة يا زايد، ولك دعاء الغفران والجزاء الأمثل الذي تستحقه من رب غفور كريم واسع العطاء.
في رحيلك كنت عظيماً، كنت الأب الذي اعتدناه، قلنا يوم رحلت: سيرحل كما بقية الآباء حين يتعبون من ضجيج الصغار ثم يعودون من الترحال أجمل مما ذهبوا وأكثر شوقاً، أنت كنت الأجمل دوماً، لكنك لم تعد.. أنت لم ترحل من الأساس، لقد احتوتك قلوبنا حد التماهي في حنوك وحنانك الذي كان بلا نهاية وبلا حدود.
في الثاني من ديسمبر على زايد الرحمة والسلام.. وعلينا جميعاً مسؤولية وطن جميل نفرح اليوم بذكرى قيامه.
sultan@dmi.gov.ae