لا تخلو الأجواء الانتخابية، في أي بلد من بلدان العالم، من تراشق في الاتهامات، بين الأحزاب أو الكيانات المتنافسة، ولا تخلو كذلك، من مبارزات كلامية، يستخدم فيها كل مرشح، قدراته في التأثير، على المستمعين، أو المشاهدين، وفي إحراج الخصوم، وإضعاف مواقفهم، لصالح موقف الحزب الذي ينتمي إليه. ويعمد المرشحون إلى توظيف القضايا الحساسة في حياة الناس، ومداعبة أمنياتهم بمعسول الوعود، وبمشروع انتخابي، تُنتقى فيه، أبرز القضايا التي تشغل بالهم، وتسبب لهم القلق، على مستقبلهم ومستقبل أسرهم.

ويعمد منظمو الحملات الانتخابية عادة، إلى إعداد المسرح السياسي، وتهيئته، من خلال دراسات ميدانية تتضمن دراسة سيكولوجية الناخب، واستنادا إلى خطة إعلامية معدة سلفاً، بغية تسويق المرشح أو القائمة الانتخابية للجمهور. وتلعب الموارد المالية المرصودة، دوراً مهماً في سير الحملة الانتخابية، وفي نتائج الانتخابات كذلك.

إن التجربة الانتخابية جديدة على العراقيين، المرشحين والناخبين على حد سواء، لذلك من المتوقع أن يصاحب الانتخابات، الكثير من الممارسات السلبية، التي قد تؤثر بهذا القدر أو ذاك، على نتائجها. عاش العديد من السياسيين العراقيين، لفترات طويلة، من حياتهم، في بلدان غربية، وتأثروا بالأجواء السياسية لتلك البلدان، في حين عاش سياسيون آخرون، ولفترات طويلة أيضاً، من حياتهم، في بلدان مجاورة للعراق، وتأثروا كذلك، بالأجواء والممارسات السياسية، في تلك البلدان. كما أن هنالك سياسيين آخرين، لم يغادروا العراق، وتعايشوا مع الأنظمة السياسية المتعاقبة فيه، والتي لم يكن أياً منها ديمقراطياً.

هنالك سياسيون، وهنالك كيانات سياسية، تؤمن فعلاً بالديمقراطية، كأفضل نهج في الممارسات السياسية، مقابل سياسيين، وكيانات سياسية أخرى، لا تؤمن بهذا النهج، إلا أنها لا تجد سبيلاً، للوصول إلى السلطة، إلا من خلال العملية الانتخابية. ويبقى في النهاية، ما يقدمه المرشح، أو الكيان السياسي، من ترجمة، للوعود التي قطعها في حملته الانتخابية، هو المعيار في مصداقيته.

وبسبب هذا التباين، في ثقافة احترام الآخر أو إلغائه، تنشأ الممارسات غير الديمقراطية، وتتصاعد كلما اقتربنا من يوم الانتخابات، ويشهد المسرح الانتخابي العراقي الظواهر التالية:

1ــ اتهامات واتهامات مضادة، يتجاوز بعضها، الأطر المتعارف عليها، في أدب الحوار، أو الخلاف.

2ــ تمزيق ملصقات بعض الكيانات السياسية دون غيرها، أو وضع ملصقات أخرى فوقها بغية إخفائها.

3ــ تعرض بعض المرشحين، من قوائم معينة، إلى التهديد بالقتل، في حالة عدم الإنسحاب من القائمة.

4ــ استخدام العنف المسلح، من قبل بعض المليشيات، ضد مكاتب بعض الأحزاب، حيث سقط بعض الضحايا بسبب ذلك.

5ــ استخدام الرموز الدينية ذات التأثير على مزاج الناخب.

6ــ غمز في عدم حيادية الحكومة.

7ــ غمز في عدم حيادية القوات الأجنبية.

8ــ شبهات حول دعم خارجي لبعض القوائم.

من الطبيعي، أن تمزيق ملصقات وصور الآخرين، يرجع قبل كل شيء، إلى ضعف البنية الأخلاقية، لدى من يتخذ ذلك أسلوباً في العمل، ويرجع أيضاً إلى ضيق الأفق السياسي، وعدم تفهم لأبعاد الحريات السياسية المسموح بها في الساحة العراقية. وعمل كهذا، لا يعدو أن يكون تعبيراً عن العجز، وعدم القدرة، على التنافس مع الآخر، أو عن العداء للمبدأ الانتخابي نفسه، أو الإسهام، في إضفاء اللا شرعية على الانتخابات.

تعمل ممارسات من هذا النوع، على تعكير الأجواء التنافسية، بين القوائم والكيانات، وهي إذ تعبر عن فقدان النضوج السياسي، تعبر كذلك، عن عدم الحرص، على مصالح الشعب العراقي. وتقوم بعض الكيانات بالغمز بوجود دعم أجنبي لبعض الكيانات، كما أن البعض يتهم القوات الأميركية، بالتحيز في موقفها، ويشير إلى إسهامها في وضع ملصقات، لأحد الكيانات السياسية، في بعض المدن العراقية.

كما تُتهم وزارة الداخلية العراقية، بأن بعض منتسبيها، يمارسون عملية تمزيق صور وملصقات، بعض الكيانات السياسية، في بعض المدن.

وفي هذه الأجواء المشحونة، أكد السيد أشرف قاضي، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، في العراق، على أهمية وجود مراقبين دوليين، لمراقبة العملية الانتخابية، من أجل ضمان عدالتها وشموليتها وشفافيتها.

وإذ تتصاعد حدة الاتهامات والاتهامات المضادة، حول ماضي هذا المرشح أو ذاك، وحول دور هذا أو ذاك، في الفساد المستشري، في أجهزة الدولة، تُترك القضايا الكبيرة، التي قد تصل إلى مستوى الفضائح، التي تحدث دوياً شديداً في أوساط المجتمع، إلى الأيام الأخيرة القليلة، التي تسبق الانتخابات،

وذلك كي تبقى عالقة في ذاكرة الناخب، وهو يتوجه إلى صندوق الاقتراع. وهذه النقطة بالذات، مهمة جداً، في الواقع السياسي العراقي الحالي، حيث يشهد الإنسان العراقي، كل يوم تقريباً، من الأحداث الكبيرة، ما قد ينسيه أحداث الأمس، أو أحداث اليوم الذي قبله.

هنالك ثلاث جهات مسؤولة، عن إنجاح هذه التجربة الانتخابية، وتلافي السلبيات، التي رافقت الانتخابات السابقة، وهذه الجهات هي:

1ــ الأحزاب والكيانات السياسية المساهمة في العملية الانتخابية، مسؤوليتها تنبثق من أهمية إقناع المواطن العراقي، بأن العملية الانتخابية، مساهمة حضارية في بناء الوطن. وهي لن تستطيع ذلك، إلا من خلال التمسك بالقيم الأخلاقية، وبالصدق والأمانة، في التعامل مع بعضها البعض، وفي التعامل مع الناخب بصفاء وأمانة.

2ــ المفوضية العليا للانتخابات، وهي جهة مستقلة عن الحكومة، دورها توجيهي وإشرافي، وقد حدد صلاحياتها، قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، إلا أنها لا تمتلك أذرعاً تنفيذية فاعلة.

3ــ الحكومة العراقية، وهي الجهة المسؤولة، عن تهيئة المناخ الأمني، للعملية الانتخابية، والحرص على أن تكون، وعلى مستوى كافة أجهزتها، بمنأى عن أية شبهة، قد تطال حياديتها، خاصة أن معظم أجهزتها مسيس، ضمن أحد الائتلافات، المشاركة في العملية الانتخابية.

ستنبثق الوزارة القادمة في العراق، عن تحالفات، بين القوائم أو الائتلافات التي ستحصل على عشرات المقاعد النيابية. إذ لن تتمكن قائمة واحدة، أو تحالف واحد مكون من عدة قوائم، من التفوق على الآخرين، والحصول على الأغلبية التي تؤهله لتأليف وزارة بمفرده. ويلاحظ حتى الآن، إن الاتهامات والاتهامات المضادة، قد تركزت بين بعض القوائم، التي لا مجال لعقد تحالفات بينها في المستقبل.

الانتخابات العراقية المقبلة، ستكون الحدث الأكثر أهمية، بعد سقوط النظام السابق، في رسم معالم مستقبل العراق، إذ في ضوئها، سوف ينبثق مجلس نيابي جديد، أكثر توازناً، من الجمعية الوطنية الحالية، يكون من مهامه الأساسية، إزالة جميع الإشكالات، التي رافقت عملية إعداد الدستور الدائم. وفي ضوء نتائجها سوف تتشكل، أول حكومة دستورية، مدتها أربع سنوات، تعمل على جدولة انسحاب القوات الأجنبية، من العراق، وتعمل على استعادة السيادة الوطنية للعراقيين، على أرضهم وثرواتهم.

majamal@emirates.net.ae

كاتب عراقي