نقف اليوم، في العيد الرابع والثلاثين لدولة الاتحاد، كعادتنا كل عام، مزهوّين بإنجازنا الذي يمثل تجربة فريدة على كافة المستويات، سائلين المولى –عز وجلّ- أن يديم علينا نعمته، وأن يحفظ لنا إنجازنا الذي نحتنا الصخور والجبال لتحقيقه والمحافظة عليه، والذي أنشأ جيلا لا يوجد في قاموسه بديل لكلمة (الاتحاد)، ولا يعرف لها نقيضًا.

وإذا كان التقدير الزمني لكلمة (جيل) يعادل ثلاثة وثلاثين عامًا فإننا نستطيع أن نتحدث اليوم عن جيل إماراتي أبصرت عيناه النور في دولة الاتحاد، ونشأ وترعرع في ظلها، معتادًا الاحتفال بهذه المناسبة سنويًا مع المحتفلين دون أن يشعر بالفارق الحقيقي بين ما قبلها وما بعدها، لأنه يرفل في نعمة الانتماء إلى دولة اختارت الاعتصام بحبل الله دون أن يدرك الحال قبل قيام الاتحاد. وهذا يحتّم علينا العمل على ترسيخ المعاني والقيم التي حملها مشروع الاتحاد، وزرعها في الأجيال المقبلة لتتمثلها بشكل تام.

ومما يبعث السرور في النفس هو وجود مستوى من الإدراك عند شباب هذا الجيل وشاباته لأهمية الاتحاد، ولميزة الانتماء إلى هذه الدولة، وهم يترجمون ذلك بشكل عفوي وتلقائي؛ ففي إحدى محاضراتي سألتُ طالباتي عن دلالة كلمة (الاتحاد)، ووقعها في نفوسهنّ، وطبيعة إحساسهنّ بها، فكان كلامهنّ عن أهمية الاتحاد والقوة التي يبعثها في الناس جميلا وصادقًا،

لكن أجمل ما سمعتُ كان تعليقًا جانبيًا من إحدى الطالبات، همست به قائلة: (لولا الاتحاد لما كنّا اجتمعنا هنا معًا على مقاعد الدراسة في جامعة واحدة)، وكأنها بهذا تلخص الكثير مما يمكن أن يُقال عندما يتحدث المرء عن الاتحاد كقيمة ومعنى ومفهوم، لأن اجتماعنا على مقاعد الدراسة يعني اجتماعنا على مائدة الحياة، التي نأخذ منها ونضيف إليها؛ فالاتحاد يعني البذل والعطاء،

كما يعني الأخذ والتلقي، ويعني المساواة، والتسامح، والتعاون، والتفاهم، والإيثار، والتضحية، والتنافس، وما كان لهذه التجربة أن تستمر حتى اليوم، وأن تثبت أمام معوقات النجاح والاستمرار إن لم تتوفر فيها هذه القيم والمفاهيم، ولكن ثبات التجربة يشي برسوخ مفاهيمها في نفوس الشعب الإماراتي.

إننا بعد أن وصلنا باتحادنا إلى هذه المرحلة من النضج لا بدّ أن نحتفل، وأن نعزز فكرة الاحتفال فينا جيلاً بعد جيل، وأن نجعله كرنفالا سنويًا نرسخ من خلاله تجربتنا الوحدوية، كي تظل أجيالنا القادمة على وعي بتاريخها الذي يمثل جزءًا لا يتجزأ من بنيتها وكينونتها، لا ينفصل عنها ولا تنفصل عنه، ولعلّ الاحتفال بمناسبة ما يكون من أكثر الوسائل ترسيخًا لها في النفوس، وتثبيتًا لها في الوجدان.

وقد درجت العادة على الاحتفال بالذكرى السنوية لعيد الاتحاد بوصفها مناسبة وطنية عزيزة على قلوبنا جميعًا، تكتسي فيها إمارات الدولة ومدنها المختلفة أبهى الحلل لاستقبال هذا الضيف السنوي القادم من أعماقنا، والمتوجه إليها.

ولكنني في خضم التفكير في الحالة شبه الكرنفالية التي بدأت مدن الدولة تعيشها منذ أسابيع على كافة المستويات استعدادًا لهذه المناسبة، ذهبت بذاكرتي نحو عام مضى، محاولة استرجاع الذكرى الثالثة والثلاثين لهذه المناسبة، كيف مرّت؟

وكيف تفاعلنا بها ومعها؟ وما مظاهر الاحتفال فيها؟ فلم أجد لها في نفسي أثرًا يُذكر، غصتُ في ذاكرتي أكثر، فأدركت حينئذ أن غيابها يعود إلى توقيتها؛ فقد كانت بعد وفاة الشيخ زايد ــ طيّب الله ثراه ــ بشهر تقريبًا، أي أننا كنّا لا نزال في غيبوبتنا التي دخلنا فيها منذ سماع الخبر، ولم يستطع أي منّا أن يصحو منها سريعًا، فمرّت ذكرى الاتحاد السنوية، التي تمثل عند الشعب الإماراتي عيدًا يُضاف إلى عيديْه، وفرحته لا تقلّ عنهما عنده، دون أن يُدرك أحدٌ حضورها ومرورها وذهابها.

وها هي ذي الذكرى الثانية للاتحاد بعد رحيل زايد –عليه رحمة الله- قد أقبلت، وشتّان بينها وبين السنة الماضية؛ لقد عادت عيدًا حقيقيًا لنا، لا ينغّص فرحة الاحتفال به سوى غياب مؤسس هذا الصرح الوحدوي العظيم الذي ننعم بخيره، والذي اطمأن إلى ما فعله وقدمه لأبنائه، فغادر في هدوء وسكينة، مسلّمًا الأمر من بعده إلى من يثق في قدرته على المضي على دربه. ويبدو أن هذا هو شأن المؤسسين دائمًا، إنهم يكتفون بوضع حجر الأساس، وتوضيح ما يجب فعله، وكيفية إتمام البناء، ثم يرحلون.

ومع أن زايد فعل الكثير بنفسه، ولم يكتفِ بوضع حجر الأساس، بل شمّر عن ساعديْه كثيرًا، وشارك في قيام هذا البناء لبنةً لبنةً، حتى اطمأنّ إلى سلامته واستقامته ثم رحل تاركًا خلفه ما ترك من يتم وفقد، إلا أنه حصّننا، وزرع في نفوسنا تفاؤلاً وأملاً وإيمانًا بالله – عز وجلّ- وبقضائه وقدره، وعلمنا أن عجلة الحياة يجب أن تدور،

وأن نحافظ على دورانها، لأنها إن توقفت عن الدوران لثوانٍ سيختلّ النظام كله، وسنحتاج الكثير من الوقت لإصلاح ذلك الخلل، ولهذا تمكنّا من تجاوز مصيبتنا فيه، وتغلبنا على شعورنا باليتم والحرمان، واستطعنا إكمال المسيرة التي بدأها كما شاء، وكما كانت الأمور ستجري لو كان لا يزال موجودًا بيننا.

ومع صعوبة أن يعيش المرء أجواء احتفالية وطنية كهذه المناسبة مع غياب زايد، إلا أننا يجب أن نحتفل، حفاظًا على ذكرى الراحل، وتجديدًا لاحتفال يوشك أن يكون تقليدًا سنويًا لم يتوقف إلا سنة واحدة اضطرارًا، وها هو ذا يعود من جديد، ليحتلّ مكانه المعهود في نفوسنا ووجداننا، وليبقى للأجيال المقبلة أزميلاً ينقش على جدران ذاكرتها القيم التي حملها لها الاتحاد منذ أربعة وثلاثين عامًا.

sunono@yahoo.com

جامعة الإمارات