في أحد أيام الصيف الماضي، فوجئ مشاهدو القناة السابعة على التلفزيون الأميركي بمذيع برنامج »نايت لاين« وقد تنازل عن الطابع التحليلي المعهود في برنامجه الشهير واكتفى بدلا من ذلك بشغل المساحة الزمنية للبرنامج (40 دقيقة) لكي يتلو خلالها أسماء من بعد أسماء بصوت من طبقة القرار الرصين بينما تتصاعد في خلفية المشهد - المسمع موسيقى حزينة مفعمة بشحنات من الشجن الذي يكاد يبعث الرهبة في قلوب المشاهدين.

لقد قرر مذيع برنامج »نايت لاين« أن يسرد على مسامع مشاهديه أسماء جنود الولايات المتحدة الذين سقطوا ضحايا الحرب في مسرح العمليات بالعراق.. وكان العدد في أيام ذلك الصيف الأميركي الحار يقترب من الألفين من مواطني أميركا العسكريين من مختلف الرتب أو ممن ذهبوا إلى »حقول القتل« العراقية طمعا في أن يصبحوا مواطنين.

وجاء قرار المذيع الشهير أقرب إلى الصدمة لأوساط شتى في حكومة واشنطن.. فبرغم أن الصحف لم تكن قد قصرت يوما في نشر أسماء الجنود أو الضباط الذين يلقون مصارعهم في أراضي الرافدين المشتعلة بنيران الصراع (نيويورك تايمز خصصت زاوية يومية في إحدى صفحاتها لهذا الغرض)، إلا أن مسؤولي الإدارة الحاكمة في أميركا راعهم انتقال الأسماء إلى ميديا التلفزيون:

أولا لأن هذا التحول كان معناه مزيدا من الأضواء الكاشفة المسلطة على موقف ومعنى وظروف لا يصدق عليها في مجملها سوى مصطلح »خسائر«،

وثانيا لأن برنامج »نايت لاين« يعد في الصدارة ضمن البرامج السياسية التي تطالع المشاهد الأميركي بتحليلات سياسية مشفوعة بحوارات ولقاءات مع كوكبة من صانعي الأحداث الكبرى في أميركا وفي العالم.

وثالثا لأن »تيد كوبل« مذيع ومقدم هذا البرنامج على شاشة القناة السابعة »محطة إي. بي. سي« يعد من نجوم الإعلام الأميركي المتلفز.. عرفته جماهير المشاهدين على مدى عقود من الزمن يطالعها في برنامجه الذي يقدمه في الحادية عشرة والنصف من مساء كل يوم من أيام الأسبوع (ما عدا عطلتي السبت والأحد) وعقب نشرة الأخبار الرئيسية بحيث يوافي المشاهدون بنظرات ثاقبة في عمق ما احتوته النشرات الإخبارية من أحداث وتطورات.

نموذج إعلامي رفيع

بكل المقاييس العلمية والمهنية ظل »تيد كوبل« يمثل نموذجا رفيعا لرجل الإعلام التلفزيوني في أميركا والعالم، بل كان نجم الصحافة الإلكترونية السياسية كما قد نسميه: ظل يطل على المشاهدين بخصلات شعره المنسدلة وقد خالطها بياض النضج ومشيب الخبرة العميقة الطويلة فيما ظل يصافح الأسماع بلغته الانجليزية التي ينطقها بإيقاع الفصاحة الكلاسيكية التي اكتسبها من أيام نشأته في انجلترا ثم زادها بلاغة بفضل السنوات التي أمضاها في تلقي علوم الاتصال الجماهيري في كبرى الجامعات المتخصصة بالولايات المتحدة.

وبالمقارنة مع أقران كثيرين من نجوم الإعلام الأميركي المتلفز.. ظل »تيد كوبل« يصنف ضمن فئة النجم الراقي الذي يشع حضوره بضوء الكفاءة المهنية مضافا إليها قدرة على الانضباط والهدوء وتجنب الإثارة أو شهوة الإبهار أو تملق المشاهدين سواء كانوا من أهل السلطة أو من جماهير المتلقين.. هذا فضلا عن مقدرة على إدارة الحوارات بكفاءة تجمع بين فهم القضايا وموضوعية تناولها ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

مع انتفاضة الحجارة

وبفضل هذه الموضوعية، وقد كانت أمرا نسبيا في كل حال، لم يتردد المذيع ــ الصحافي التلفزيوني الأميركي في أن يكون هو الواسطة الفعالة التي نقلت إلى العالم أخبار الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي استهلها »أطفال الحجارة« في أواخر عقد الثمانينات من القرن الماضي..

وفي إطار هذه الجهود ظل »كوبل« يعرض في برنامجه السياسي مشاهد النضالات الشعبية الفلسطينية التي أعادت صورة الفلسطيني المقاوم الرافض للاحتلال المهينة إلى الذهنية والوجدان العالمي وبحكم الإجادة حرص »تيد كوبل« على أن يشفع هذه الاخبار المصورة بلقاءات جاءت وقتها غاية في الرصانة والإبانة ــ ومن خلالها عرف العالم أسماء ورموزاً مضيئة للنضال الفلسطيني ومن ذلك مثلاً: الدكتور حيدر عبد الشافي..

والدكتورة حنان عشراوي التي بهرت الرأي العام الأميركي، ومن ثم العالم بشخصيتها المتألقة وانجليزيتها الرفيعة وقدرتها الفائقة على تجسيد شخصية شعبها العربي والدفاع عن قضاياه والتعبير عن غاياته وطموحاته.

من جانبنا حرصنا على أن نتابع »تيد كوبل« على مدار سنوات ربع القرن التي ظل يقدم خلالها برنامج »نايت لاين« وكان من الطبيعي أن تختلف رؤيتنا – من زاويتنا العربية القومية بالذات – مع رؤاه التي عرضها في برنامجه الشهير..

ولكن كان من الموضوعية أن نوليه إعجابا وتقديرا وربما عرفانا حين اختار في ختام القرن العشرين (سنة 1999) أن يطلع مشاهديه في أميركا وعبر العالم على أحد أركان الإسلام وعلى إحدى الشعائر المقدسة لدى جموع المسلمين.. يومها أوفد واحدا من أبرز مساعديه وكان إعلاميا مسلما وأستاذا في مهنة التصوير لكي يغطي مناسك الحج المقدسة خلال العام المذكور..

وثم عاد بحصيلة من الصور الجميلة التي تكاد مشاهدها تنطق بخشوع وتبتل عميق فيما زادتها تعليقات تيد كوبل عمقا وطلاوة حين جهد في تفسيرها وتناولها بقدر لا يخفي من محاولة الفهم والاستيعاب ومن منطق الاحترام.

قرار الاعتزال

نكتب هذه السطور في مناسبة اعتزال الإعلامي الأميركي الكبير ادوارد (تيد) كوبل.. وربما ساورنا منذ مطلع العام الحالي توقع كان يستبق هذا الاعتزال.. ذلك لأن الرجل محسوب بصورة أو بأخرى، وبفضل تاريخه من حيث محاولة الموضوعية وتجنب الإثارة، دع عنك التطبيل والتزمير للإدارة الحاكمة ( قناة فوكس الخامسة في التلفاز الأميركي نموذجا في هذا الصدد) – الرجل محسوب على خط اليسار أو الخط »الليبرالي« مقابل خط »اليمين« أو »المحافظين الجدد« كما تقول مصطلحات السياسة الأميركية الراهنة.

وربما أدرك المذيع الشهير بأن وقت الاعتزال قد حان بعد أن أصيبت منظومة الإعلام الأميركي بفيروس اصطلحوا مؤخرا على أن يطلقوا عليه الوصف الدال التالي »تأثير فوكس« بمعنى وطأتها أو مفعولها وهي وطأة ضارة بحيدة الإعلام ومفعول ذو أثر سلبي على المهنة ــ الرسالة التي يتحمل الإعلاميون تبعاتها.

في حمى هذا التأثير صدر يوما قرار عن »مجموعة سنكلير الإذاعية« وهي من كبرى مؤسسات الاحتكار الإعلامي في أميركا بمنع إذاعة برنامج »نايت لاين« سواء على متن القناة السابعة أو على أثير ملحقاتها التي تعد بالآلاف من محطات إقليمية وقنوات جهوية منتسبة إليها وتابعه لخدماتها.. وكان السبب هو حكاية إذاعة أسماء العسكريين الأميركيين الذين لقوا مصارعهم فوق تربة العراق.

في هذا السياق يعلق كاتب أميركي متخصص هو مايكل ماسنغ قائلا: في غمرة الملابسات التي أحاطت بهذا القرار، تدفقت سيول من الحوارات والتعليقات التي استخدمت أحاديث الراديو وقنوات الأخبار وشبكة الإنترنت وكلها ساعدت على بلورة فكرة تقول إن (مجرد) مناقشة مصرع المقاتلين الأميركيين في العراق هو أمر غير وطني بصورة أو بأخرى (مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس) عدد أول ديسمبر 2005 لا عجب إذن أن يحزم تيد كوبل حقائبه ويقرر الاعتزال.

ويبقى السؤال مطروحاً:

- ماذا سيفتقده المشاهدون من غياب مثل هذا الكادر الإعلامي عن الشاشة الصغيرة ؟

والجواب :

- سوف يفتقدون مذيعا مقتدرا استطاع أن يبني حياته الإعلامية على أساس أن يظل مختلفا بمعنى التفرد وأن يحافظ على هدوئه لدرجة البرود ولكنه استطاع أن يجمع بين هذا الهدوء البارد وبين جاذبية التأثير ومتعة الحوار وعقلانية الإقناع. بهذا ودعته كلمات الناقدة اليساندر استانلي في مقالة ضافية نشرتها »نيويورك تايمز« وأعادت نشرها جريدة »هيرالدتربيون« الدولية (عدد 23/11/2005)

٭ كاتب مصري