في الجرائم الكبرى، على شاكلة اغتيال وطن عظيم كالعراق، وشخصية كبيرة كرفيق الحريري، لا تكون شخصية الضحية هي الهدف الأول والأخير، هناك أمور أكبر من ذلك بكثير أريد استهدافها من خلال الأشخاص، من خلال الاطاحة بصدام، واغتيال الحريري، هناك واقع أريد اجتثاثه من الخريطة، هناك ثوابت اريد هزها من الجذور ومسحها من الوجود، هناك «رؤوس قد اينعت في العراق وحان قطافها» وأشواك في لبنان وسوريا وإيران لابد من اقتلاعها.. وان الجريمة لمتكفلة بالبقية!

في الجرائم الكبرى، من الطبيعي ألا يصل التحقيق إلى نتيجة، وان تتحول التحقيقات والمطالبات الى ساحة سباق لا يصل إلى خط النهاية فيها أحد! وإلى لعبة كراسي موسيقية يحجز الكرسي الوحيد لمشعل الفتيل فقط، ولا تسألوني من يكون، فأنا لا أعرفه حتماً، لكن هناك ملفاً ضخماً فيه كل الأوراق المطلوبة، مكتوباً عليه بالأحمر «سري للغاية» يريد أحدهم انتزاع بعض أوراق الحقيقة منه، بينما يريد كثيرون القاءه في أعماق المحيط!

في الجرائم الكبرى تصبح الكذبات كبرى، لأن الجرائم أكبر من حدود الخيال، وإلا فمن ذا يقنعنا بأن صورة صدام حسين، وهو قابع في قفصه أمام العالم يحاكمه قاض كردي، وهو في كامل اناقته، ورباطة جأشه، وبصوته العالي ونظارته وأوراقه وقلمه، هي صورة حقيقية مئة بالمئة. من بإمكانه أن يحلف لنا ـ ولو كذباً ـ بأنها الحقيقة، نحن الشعوب العربية المستهدفين بكذبات كبرى عبر التاريخ، كيف نصدق أن ذلك ليس سيناريو متفقاً عليه حتى وان طال أمد عرض الفيلم؟

وحسام طاهر حسام، الشاهد المقنع المزور، الحلاق والضابط واللص والمزور والكذاب، الشاب الذي كذب على ميليس القاضي الدولي وأقنعه بأن لديه أسراراً خطيرة فاستمع إليه وسجلت إفادته في ملف التحقيق بشأن جريمة اغتيال الحريري، حسام الذي يشبه أحد ممثلي مسرحيات شكسبير تبين أنه ليس سوى ممثل يجيد اللعب بالثلاث ورقات، ولقد حرق ورقتين، ولاتزال الثالثة في جيبه.

حسام الذي لا يبدو أبداً من تركيبة وجهه، وشكل نظارته، وعمق نظرات عينيه، وحركة جسده كلها أنه لص أو سارق سيارات، حسام هذا أحد فصول الكذبة الكبرى حتى وإن كان فصلاً سمجاً جداً، ملامح الرجل تقول إنه أكبر من ضابط هارب، وأخطر من شاهد مقنع، وبالتأكيد فهو ليس حلاقاً!

حسام طاهر حسام، من بإمكانه أن يقنعنا بأنه جاء من تلقاء نفسه حاملاً روحه على كفه، ليجالس ميليس ويلعب مع الكبار ببساطة ثم ـ وفجأة ـ يغير رأيه وينقلب على اللجنة الدولية و.. هذه الحرفية والجسارة من أين أتى بها؟ ربما من كونه حلاقاً اعتاد على الثرثرة فوق رؤوس الجميع!

sultan@dmi.gov.ae