نعم، ان ما نجده اليوم من توحّش وقساوة وجرائم وانحرافات .. ما هي الا نتائج تربويات سقيمة وانحرافات سايكلوجية خطيرة ومشروعات ايديولوجية لا تعرف الا العنف وخطايا اجتماعية لا تعرف الا الجنوح والفساد ..

لقد اختلطت المفاهيم وتوحّش المجتمع واغترب عن انسانيته . لقد وقفنا على انواع من قتل الطفولة البريئة بكل وحشية وعهر .. انهم يقتلون هذه المخلوقات الجميلة من دون تمييز .. انهم وحوش ضارية لا تعرف الرأفة ولا الرحمة ولا الشفقة.. لقد ماتت احاسيسهم.

وعميت ابصارهم وصدئت قلوبهم ولم يعد يرون الا الوهم حقيقة متمثلا امام مكبوتاتهم ولا يتورعون في قتل كل البشرية من اجل قيم فاسدة لا ندري من اين اكتسبوها وزرعوها في صدورهم، كيف تجسد مشروعهم في القتل بمثل هذا الجنون الذي لا يعرف الا سفح الدماء واشباع الغرائز والشهوات ..

انهم يوغلون في البلادة بحيث لا يفرقون بين الموت والحياة . ان كل من يمتلك ذرة من الايمان بالله وبكل القيم سيهتز من اعماقه وهو يرى الطفولة البريئة تذبح بمتفجرات ومفخخات وبأحزمة ناسفة وبقنابل وقذائف كما يجري في العراق او تحز رقابها بسكاكين كالذي جرى في الجزائر..

وبكل الاسلحة القذرة التي لم تخلق لقتل الابرياء وايذاء الطفولة المعذبة في تكوينها ووجودها اصلا . ولعّل الطفولة العربية تعد اليوم من اتعس طفولات العالم.

وهي تقف جنبا الى جنب الطفولة الافريقية التي تعاني هي الاخرى من الاوجاع والاسقام والجوع والعري .. ما ذنب الطفولة ان تدفع ارواحها البريئة واجسادها الطرية اثمانا لعهر احتلال ووحشية ارهابيين وبلادة ساسة وعفونة مجتمعات .. ؟؟

نحن والعالم

إن العالم كله يتقدم نحو الامام وهو يرعى الطفولة رعاية متفوقة لأنه يدرك بأن لا مستقبل الا من خلال بناء الطفولة ورعايتها من خلال مشروعات لرعاية الاطفال والسير بتفوقاتهم من خلال العناية بواقعهم في اي بيئة.

وخصوصا لما قبل الابتدائيات، اضافة الى اثرائهم لغويا ورعاية معنوياتهم بشفافية عالية ومعالجة اضطراباتهم المتنوعة .. ان ما اجده على طرفي الباسيفيك بين كندا واليابان – مثلا - من مشاريع متطورة جدا للطفولة، تجعلني اقول لنفسي :

واين الرعاية للطفولة العربية وانتشالها من واقعها .. بدءا بمرحلة الخداجة ثم الرضاعة ثم الحبوة ثم الانطلاقة ثم الطفولة وصولا الى الصبوة والمراهقة والشباب ؟ ان الطفولة العربية تعاني من فوضى عارمة ليس على مستوى التربية والنشأة، بل حتى على مستوى الظلم الاجتماعي فلا تنمية للقدرات ولا رعاية للمواهب .

ولا بناء للشخصية ولا جمالية لصفاء الروح ولا اي اشباع للرغبات ولا اي تشجيع للادب ولا اي غرس لما هو اساسي غرسه من التواريخ .. ان التاريخ اما ان يصنع مجدا عندما نصغي لاشراقاته الحضارية او انه يسحق المستقبل سحقا عندما يتبنى المجتمع مشاريع المقاتل منه !

لقد مرّت بلداننا ومجتمعاتنا بانكسارات سياسية وبشاعات فوضوية وفوارق طبقية.. توالت بعدها الاحباطات والقبائح الاعلامية والمسارات الدموية والحروب الاهلية والاقليمية والموجات الارهابية .. فترسّخت جملة هائلة من الاحقاد والكراهية في جيل كله تشظيات وتعقيدات نفسية .

ان الانكى من كل هذا وذاك ان حكومات ثورية عربية ساهمت في بناء جيل منحرف في تفكيره ترّبى على العنف والقتل والاضطهاد . ان كل مهرجانات الطفولة العربية لم يكن لها اي نفع ان لم ترّسخ في محليات كل بلد قيما انسانية وحضارية بعيدة عن الكراهية والاحقاد والضغائن .

تساؤلات أساسية

اي تنمية لثقافة الطفل العربي وسط فوضى اعلامية عربية قميئة لا تعرف الوسطية ولا الحيادية .. اعلام يغذي اطفالنا سوء التطرف بين منتهى الانغلاق وبين اقصى العهر ..

اي تمثيل دلالي لغوي تعلم الطفولة العربية رهافة الحس والوجدان على الكلمات الجميلة وعلى استخدام التعابير الرائعة وعلى اصول المعاملات وعلى حسن التصرفات وعلى آداب المائدة وعلى آداب المجالسة وعلى آداب المشي وعلى آداب المدرسة والجامعة.

وعلى احترام الكبير وعلى العطف على الحيوان .. ماذا يتلقّى اطفالنا في مدارسهم المتنوعة من دروس ومناهج وتربويات سقيمة ومن خلال مناهج هزيلة لا تعرف الا تقييد التفكير وعلى أيدي معلمين ومدرسين لا يعرفون شيئا في التربية الحديثة.

أي تغذية يتلقاها الاطفال ؟ اي شوارع يتربى فيها الاطفال؟ اي تقدير لطفولة الذات في البيت وسط مشكلات بيئية واجتماعية وعائلية تعد جحيما لها؟ اي تطور في السلوك وبناء العلاقات وتثمين الزمن وحسن الاداء واحترام الشعائر والاعتزاز بالمكان والمواطنة؟

أي اضطهاد تلقاه الطفولة العربية المعّذبة اليوم مقارنة بما كانت عليه قبل عقود من السنين عندما كانت مجتمعاتنا تعتز بقيمها وتستمع الى اولياء الامر فيها؟ ما الذي يقرأه الطفل العربي؟ ما الذي يسمعه؟ ما الذي يشاهده؟ ما الذي يتعلمه؟ اين مسرح الطفل؟ اين اغاني الطفولة البريئة ؟

اين قصص الاطفال الرائعة ؟ اين تطبيق نظريات النمو وبناء الامومة والرجولة من اجل المستقبل؟ اين الارشاد ؟ اين معالجة القصور؟ اين معالجة التشّرد ؟ اين معالجة العقوق؟ اين الساعات المكتبية والابداعية لتنمية القدرات الخارقة ؟ اين معالجة قصور الانتباه ؟ اين معالجة الجنوح ؟ اين معالجة الايذاء والاعتداءات ؟

كيف نبدأ الطريق من اجل استحقاقات المستقبل ؟

لابد من اعادة التفكير في معالجات جذرية في بناء مناهج جديدة، وتشكيل جمعيات مختصة وترسيخ الوعي الحضاري واعتبار الدين الاسلامي دين محبة وسلام وتسامح وحضارة واخوة والعناية بالحياة الدنيا وجماليات الخالق الاعظم من خلال العمل والعلم وانفتاح على العالمين بعيدا عن جعل الدين مشروعا للقتل والذبح وزرع الكراهية والاحقاد ..

لابد من تأسيس منظمات اجتماعية لرعاية الطفولة والامومة والشباب وان تبدأ حكوماتنا العربية قاطبة على اعادة التفكير والتخطيط في تحديث كل اساليب التربية وفسح المجال لتصحيح الاخطاء وتشريع جملة من القوانين الخاصة لرعاية الطفولة وتنقية الاعلاميات العربية من كل الشوائب.

وفسح المجال امام منظمات المجتمع المدني العربي لتأخذ دورها ناهيكم عن جعل التجارب الايجابية العربية مثلا للتطوير .. ان المؤتمرات العربية للطفولة لا تنفع ابدا ان لم تكن هناك قرارات مصيرية في كل بلد عربي لتقويم الطفولة من اجل بناء المستقبل .

مؤرخ عراقي