للمرة الأولى منذ عقود يخوض القضاء المصري معركة حقيقية مع السلطة التنفيذية من أجل انتزاع حقوقه التي نص عليها الدستور.
لم يكن الدافع مجرد امتيازات يحصل عليها القضاة وإنما مصير وطن يرون أن مستقبله يصبح في مهب الريح إن لم تلتزم كل من السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية بحدودها, تأخذ حقوقها وتؤدي واجباتها.
منذ إقرار الدستور المصري المعمول به حاليا عام 1971 لم يطبق أبدا على الوجه الأكمل, فقد ظلت مصر على الدوام تعاني ما تعانيه كل دول العالم الثالث من تغول السلطة التنفيذية على السلطات الأخرى.
لكن الأعوام الأخيرة شهدت هبوب عواصف من اتجاهات مختلفة جعلت كل وطني مصري حقيقي يتطلع إلى يوم ينعم فيه المصريون بحياة ديمقراطية سليمة تجعل الوطن أكثر قوة , وتسد باب الذرائع أمام القوى الدولية التي تريد التدخل في خصوصيات دول المنطقة وتصل أحيانا إلى حد يشبه فرض الوصاية بحجة نشر الديمقراطية.
وتحقق حالة من الشفافية تتيح محاربة الفساد الذي ينخر كالسوس في عظام المجتمعات فيجعلها رخوة, وتتيح الاستغناء عن المعونات الخارجية التي تصور لمانحها حقوقا على الحكومات تمكنها من أن تقول لقائد سياسي وطني افعل كذا ولا تفعل كذا.
كل هذا لم يكن ممكن التحقيق في ظل معارضة تم اصطناعها في الأساس على يد السلطة, وذلك لأن الرئيس السابق أراد التجمل في عين الغرب, واعتقد أن ذلك غير ممكن في ظل شمولية الحزب الواحد الذي كان قائما حتى عام 1976 , فاخترع حكاية المنابر التي تحولت إلى أحزاب فيما بعد , وظلت هذه الأحزاب تتوالد وتطغى عليها الحسابات الشخصية من ناحية والوصاية الحكومية من ناحية أخرى.
وفي هذا المناخ لم ينشأ حزب حقيقي واحد بالمفهوم المعروف للأحزاب, فالكيانات التي منحتها السلطة رخص الشرعية لم تستطع أبدا كسر طوق عزلتها عن الجماهير, والتيارات الجماهيرية لم يسمح لها أبدا بتأسيس أحزاب, وهنا وجد القضاء نفسه مضطرا لخوض معركة كان يجب أن يكون فيها حكما, وانطلق من نقطة استقلاله عن السلطات الأخرى .
ومن غيرته على سمعة نظيفة لا يلوثها شيء اللهم إلا عدم تطبيق السلطة التنفيذية للأحكام التي يصدرها في مواجهتها, وقيام السلطة نفسها بتزوير كل انتخابات والادعاء بأنها تمت تحت إشراف قضائي لتبرئة نفسها من تهمة اصطناع النتائج.
وجد القضاء نفسه مضطرا هذه المرة لأن يأخذ الأمر بيده, وأن ينتزع سلطاته التي سحبت منه على مدار سنوات، حيث المسافة ما بين النصوص الدستورية والتشريعية.
وبين ما يجري على أرض الواقع تتسع إلى حد إلغاء دور السلطة القضائية والإبقاء عليها شكلا, واستخدامها وقتما تريد السلطة في وجه المعارضين وفي وجه المفسدين الذين تفوح روائحهم خوفا على سمعة مسؤولين كبار.
ربما تذكر القضاة المعركة الخاطفة التي خاضوها في بدايات عهد الرئيس السادات وأدت إلى عزل عدد كبير من قياداتهم, وأرادوا تكرارها لكن هذه المرة في ظروف دولية ومحلية مغايرة, وفي ظل عواصف تهب على مصر وتحاول تقزيمها وشل حركتها سواء تجاه الداخل المصري أو تجاه المنطقة التي منحتها حقائق التاريخ والجغرافيا دورا قياديا فيها.
رأي القضاة أن عزتهم وشموخهم تبدأ من صندوق الانتخاب الذي يشرفون عليه , فقرروا القتال من أجل هذا الصندوق واستخدام كل سطوتهم التي يمنحها لهم القانون .
وكل هيبتهم سواء في الشارع أو لدى صانع القرار لإخراج انتخابات نظيفة تجنب مصر تكرار سيناريوهات تم تجريبها في أوكرانيا وجورجيا وتصاعدت دعوات أميركية لتطبيقها في مصر.
magdishendi@hotmail.com