لفظة »كدما« بالعبرية تقابلها كلمة »قدما« في اللغة العربية، وهو الحزب الذي لجأ إليه أرييل شارون للفرار من الليكود ومن ماضيه المحرج ولكن بطريقة التقدم للأمام تماما كما فعل في غزة!
والقرار كان مفاجئا للجميع.. وربما حتى لشارون نفسه.وهذا القرار له دلالاته التي لا تحتاج إلى الكثير من التحليل والدخول في متاهات لا أول ولا آخر لها.
فالكل يعلم أن شارون يعتبر من مؤسسي حزب الليكود عام 1973 وتسلم زمامه بعد أن تعاقب على رئاسة هذا الحزب اليميني الوسط اثنان من دهاة السياسة الإسرائيليين: مناحيم بيغن وإسحق شامير.
ومن ثم بنيامين نتانياهو الذي لا يرقى إلى مستوى سابقيه ولا يملك سجلا تاريخيا في الحنكة السياسية أوالحربية ولم يترك أثرا يذكر غير ما ذكر حول علاقاته الغرامية وسوء أخلاق زوجته.
بينما يعتبر أرييل شارون على الأقل من أبرز القادة العسكريين الإسرائيليين إن لم يكن على مستوى القرن العشرين. وقد ذكرنا في مقالة سابقة بأنه يعود إليه الفضل في إنقاذ الكيان أثناء حرب أكتوبر ولولاه لربما تغيرت الخريطة السياسية في الشرق الأوسط.
إن انسحاب شارون يعكس صورة الوضع الإسرائيلي بشكل عام وليس فقط وضع الحزب الذي يرأسه والذي بدأ ينتشر فيه الفساد. فالكيان الذي نشأ وقام على القتل المستمر والإبادة الجماعية لشعب أعزل، هذا الكيان بدأ في التردي منذ فترة قصيرة من الزمن. وكذلك الحزب الذي يرأسه.
ولم يعد العالم يصدق كل ما يصدر من هذا الكيان. ورغم الموقف العالمي المندهش من التصرفات التي تصدر عن بعض الجماعات التي تزعم أنها تنتمي إلى الهوية العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام حتى صارت كلمة العربي تعني الإرهابي المحب للدماء والذي يملك في كل بيت بئر نفط خاصة به، إلا إن الأعمال التي يقوم بها الإسرائيليون ضد الشعب الفلسطيني لم تجد من يبررها بأي حال من الأحوال.
ورغم الدعم الأميركي اللامتناهي لهذه الدويلة التي لا تزيد مساحتها على 8500 كيلومتر مربع والتي اسمها باللغة العبرية هو (مدينة إسرائيل!) ورغم الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على المجتمع الدولي ليس فقط للاعتراف بالكيان .
وإنما للسكوت عن تصرفاته اللا إنسانية، إلا إن كل شعوب العالم بدأت تشمئز وتنتقد السياسة العنصرية والدموية التي تشكل الخطوط العريضة لهذه الدويلة التي قامت على السلاح وسينتهي أمرها بنفس الأداة.
لقد فشلت السياسة الإسرائيلية منذ قيام هذه الدولة في تحقيق أمور أساسية كثيرة لا غنى عنها لقيام أي دولة، نذكر منها على سبيل المثال:
- إذابة الاختلافات العرقية في داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. فعلى الرغم من العزلة التي تعيشها هذه الدولة مع جيرانها، فإن الأجناس المختلفة التي تشكل المجتمع اليهودي تعيش هي نفسها بين جدران مغلقة حتى في الغربة .
(حيث يعيشون في مجتمعات مغلقة على نفسها : الأحياء اليهودية). أما في »إسرائيل« نفسها فالأمر أكثر سوءا: فلا يمكن لليهودي المهاجر من الحبشة ذي السحنة السوداء أن يندمج مع اليهودي المهاجر من الاتحاد السوفييتي ذي السحنة البيضاء.
ولم يستطع اليهود المهاجرون من المغرب أو من اليمن أن يتم قبولهم كليا من قبل المهاجرين اليهود القادمين من أوروبا الشرقية. فهناك اليهودي السكناجي واليهودي السفردي. ومما زاد هذا الفشل بلة، إقامة الجدار العازل وكأن اليهود تنقصهم العازلات الإسمنتية!
- فشلت السياسة الإسرائيلية مدعومة بالآلة العسكرية في إيقاف الانتفاضة الفلسطينية التي كلفت الدولة اليهودية أكثر مما جنت من إثارتها! بل إن إثارة الانتفاضة الثانية يمكن اعتبارها فشلا سياسيا ذريعا. ونادرا ما يكون هناك فشل ثنائي في مسألة واحدة بهذا الحجم!
إن استخدام وسيلة الاستفزاز لمجرد الاستفزاز مع عدم القدرة على السيطرة فيما بعد على ما قد ينتج عنه لا تعكس إلا جانب الضعف. ولم يحالف أرييل شارون الحظ في زيارته الاستفزازية للمسجد الأقصى. فدفع ثمن ذلك باهظا. ودل على أنه قائد عسكري فاشل في القيادة السياسية.
- فشلت السياسة الإسرائيلية في التقرب من نفسية الشعوب المسلمة المحيطة بها جغرافيا أو حتى البعيدة منها. ولا يتصور أحد مدى الإحساس بالخيبة لمثل هذه النتيجة.
وأصبح السلام المشوب بالحذر واليأس مع (الحكومات) العربية (فقط) هو آخر آمال الكيان الصهيوني وهي آمال مؤقتة، حيث تنذر السنوات المقبلة بانتصار الأحزاب الإسلامية في الوصول إلى سدة الحكم في كل مكان.
- فشلت السياسة الإسرائيلية في حل مشاكلها الاقتصادية الداخلية. وعلى رأسها مشكلة البطالة التي تتزايد يوما بعد يوم إضافة إلى التضخم المستمر. ولا نتصور أن هذه المشكلة ستجد لها حلا لدى دولة تقوم على الآلة العسكرية فحسب! فمحاولة حماية حدود إسرائيل الشمالية فقط تكلفها ثمنا باهظا بجانب نتائج الانتفاضة الثانية والخروج من غزة صفر اليدين.
- وأخيرا فضائح الفساد المالي التي طالت شارون من خلال ابنه والتي ربما عجلت هروبه من الحزب الذي يرأسه، مما دعى نتانياهو بوصف شارون بالدكتاتور الذي تسبب في أسوأ فساد للحزب وبأنه قاد »إسرائيل« نحو الطغيان والفساد ويعرضها للخطر.
وأفاد أحد الاستطلاعات بأن 69٪ من »الإسرائيليين« يرون بأن الفساد يتغلغل في السلطة »الإسرائيلية«. وهذا يعني أن هذا الشعب الذي ضحى في البداية بكل ما لديه لتأسيس كيان »الدولة العبرية« القائمة على النزاهة والتضحية والإئتلاف والتكاتف فشل في الاستمرار على ذلك النهج في الاحتفاظ بروح التضحية والتكتل والنزاهة.
وعندما ينتشر الفساد في أي مجتمع من المجتمعات فهذا دليل قاطع على تحلل الأسس التي يقوم عليها وعلى بداية الانهيار.وفي حقيقة الأمر هناك أكثر من فشل في نظام الكيان منذ قيامه على أرض فلسطين. لا يسعنا المجال لذكرها جميعا.
لكننا نقول في النهاية، ان شارون ربما أراد أن يخرج من حزب الليكود ليؤسس حزبا جديدا ليبدأ محاولة أخرى مع النجاح بعد الفشل الذي مني به في سياسته وفي رئاسة حزب عمره اليوم 30 عاما .
وهو الذي أوصله إلى فراش الموت وبعد أن شوه سمعة هذا الحزب بكل أنواع الفساد، وبعد أن ينفض يديه من رماد المحارق التي أشعلها في كل مكان.. وأن يغسل يديه من دم الأطفال والنساء والشيوخ على مدى عمره العسكري..!!
إنه اليوم في الثمانين من عمره. وهو يعلم جيدا أنه لم يتبق له من عمره إلا اليسير. وإن سمعته مرتبطة بحزب الليكود الذي لم يحقق لإسرائيل شيئا يذكر، لا الأمن ولا الاستقرار ولا السلام ولا حل المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الكيان ولا حتى أبسط الأمور التي وعد بها الإسرائيليين:
ألا وهو القضاء على العمليات الاستشهادية البسيطة التي أقلقت مضاجع الاسرائيليين في كل مكان.إن تأسيس حزب جديد باسم (التقدم للأمام !!!) في الوقت الحاضر لا يمكن تفسيره إلا كمحاولة للهروب من الماضي إلى الخلف.. والتخطيط لفشل جديد...
٭ جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com