فوجئ المراقبون بأن الجامعة العربية ممثلة بعمرو موسى استطاعت أن تقنع ممثلي الأحزاب والفئات والطوائف والقوميات العراقية خلال شهر واحد كي يُدعوا لعقد مؤتمر في القاهرة يكون بمثابة لجنة تحضيرية لمؤتمر أشمل يُعقد في العراق في شهر مارس المقبل يعالج قضايا العراق الصعبة والمتشابكة والعصية على الحل،
في ضوء منطلقات وضعها مؤتمر القاهرة وشكلت ما يشبه توافقات الحد الأدنى بين فئات العراق جميعها. ويتساءل الجميع إذا كانت إمكانية عقد مثل هذا المؤتمر التحضيري بمثل هذه البساطة فلماذا انتظرت الجامعة العربية أو انتظر العراقيون أو العرب أو غيرهم حوالي ثلاث سنوات للتوصل إلى هذه النتيجة السعيدة؟
إن التساؤل مشروع من دون شك، وليس أمام المراقب إلا البحث عن الأسباب العميقة التي جعلت جمع المتناقضين ممكناً، وحوارهم سهلاً، واتفاقهم متحققاً ولو على توافقات الحد الأدنى التي لا يطالب أحد بأكثر منها في هذه الفترة، ولعل تلمس الأسباب يلقي ضوءاً على مدى واقعية النتائج ومصداقيتها.
مزّق الاحتلال شعب العراق الواحد الموحد إلى قوميات وطوائف وتيارات متصارعة حتى كادت تصل إلى الحرب الأهلية فيما بينها، في الوقت الذي حلّ الإدارة والجيش وأجهزة الأمن والشرطة أي حل الدولة، وتحوّلت مرجعية المواطنة وهي الوحيدة التي تساوي بين الجميع حقوقاً وواجبات إلى انتماءات مختلفة جميعها من انتماءات ما قبل الدولة، انتماءات العشيرة والطائفة والإقليم وغيرها،
وأخذت كل فئة تبحث عن مصالحها وامتيازاتها بمعزل عن الفئات الأخرى، وأحياناً على حساب هذه الفئات، وصار الانتماء إلى العراق في ذيل قائمة الانتماءات، وأخذ كل من أهل السلطة يعمل لحسابه، سواء من خلال إصدار قرارات أو قوانين أم في تعيين المحاسيب في مراكز الدولة المهمة، وغدا لكل دولته الخاصة وبدأ الجميع يستقوون بمن يستطيعون الاستقواء به،
وشكلت معظم فئات الشعب العراقي ميليشياتها الخاصة بها، وتحوَّل العراق إلى فئات من الناس مغلقة على نفسها تتراص فيما بينها وتزداد بعداً عن الأخرى، لكن تبيَّن مع مرور الوقت والتجربة أن أحداً لا يستطيع حكم العراق وحده، أو الاستئثار بخيراته دون غيره، أو فرض إملاءاته على الآخرين، لأن المسألة العراقية أكثر تعقيداً مما رأى الكثيرون وأن الامتيازات الطارئة لفئة لا يمكن أن تكون إلا طارئة ولن تتحوَّل إلى دائمة حتى لو نص عليها الدستور.
ووجد جميع من لهم علاقة بشؤون العراق أنفسهم عاجزين عن تحقيق أهدافهم الخاصة وأنهم في أزمة إن لم يكونوا في ورطة، فالاحتلال الأميركي عجز عن السيطرة على الشعب العراقي رغم المئة وخمسين ألف جندي، واستخدام الأسلحة الممنوعة، وممارسة سياسة التدمير الشامل للمدنيين قبل غيرهم، حتى بدت بوادر الفشل الأميركي تتراءى،
وبدأ الداخل الأميركي يتململ، في الشارع وفي الكونغرس وفي الصحافة وأثبتت سياسة الإدارة في العراق أن لا جدوى من استمرار الحال القائم، وتبين أنها أمام مأزق لابد من الخروج منه، وبدورها أيقنت كل من الفئات العراقية الأخرى المتعددة، المتصارعة ضمناً والمتصالحة علناً استحالة تحقيق أهدافها الخاصة دون أخذ مصالح الآخرين بعين الاعتبار،
ودخلت في مآزق جديدة ومستجدة لم تحسب لها حساباً من قبل، ولم تنفع بعضها عشرات الآلاف من الميليشيات الخاصة في فرض رأيها، سواء ميليشيات الجنوب أم الشمال، كما أن تنفع مقاطعة بعضها الآخر للعملية السياسية (الوسط والغرب) في طرد المحتل وإعادة التوازن للنظام السياسي.
ووجد الجميع أنفسهم أيضاً أمام مأزق لا خلاص منه بالوسائل القائمة والآليات والمنهجيات المستخدمة، وهددت المكاسب التي حققها الجار الإيراني مصالح عراقيين وعرباً وجيراناً آخرين بل والمصالح الأميركية نفسها، فكان لابد من وضع حد لنفوذه ووجوده الفعلي على أرض الواقع. وهكذا شكل العجز عاملاً مقنعاً وضاغطاً على الجميع للبحث عن حل يخرجهم من المأزق العام ومأزق كل منهم،
فكانت مبادرة جامعة الدول العربية ممثلة بأمينها العام منفذاً يؤشر لإمكانية بداية خلاص الجميع من ورطتهم، ولعل هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل المؤتمر التحضيري يعقد بمثل هذه السرعة والسهولة ويصل إلى حد أدنى أو أكثر قليلاً من التوافقات التي تشكل منطلقاً لمؤتمر أشمل قد يكون صالحاً للخروج من النفق،
أي أن الاستجابة العاجلة للمؤتمر هي نتيجة طبيعية لشرط موضوعي قائم (كما يقول الأكاديميون) وليست إلهاماً سقط من السماء على عقول وقلوب ومصالح فئات الشعب العراقي المتعددة، أو بالأصح على قادة هذه الفئات وممثليها. وفي ضوء ذلك قبل الجميع بالاقتراح الذي قدم إليهم لحضور المؤتمر والمشاركة فيه والحوار الذي قدم إليهم لحضور المؤتمر والمشاركة فيه والحوار فيما بينهم.
إن مؤتمر القاهرة التحضيري كان بمختلف المقاييس خيراً على العراق والعراقيين، فقد استمع ممثلو كل فئة إلى رأي ممثلي الفئات الأخرى ومطالبهم وهمومهم ومصالحهم ورأى كل منهم مجدداً أنه ليس وحده في العراق وأن له شركاء آخرين لا يستقيم الأمر بتجاهلهم،
ولذلك قبل الجميع مبدأ مشروعية المقاومة ورفض الإرهاب وضرورة رحيل المحتل في إطار برنامج زمني يأخذ مصالح العراق بالدرجة الأولى، كما قبلوا أن العرب وجامعتهم هم حضن العراق وحاضنه وعمقه الاستراتيجي، وارتضوا ولو بشكل غير مباشر ضرورة تخلي كل منهم عن ميليشياته، وكذلك إعادة البحث في عقدهم الاجتماعي وتعديله ليأخذ مصالح الجميع باعتباره.
يخطئ من يظن أن مشاكل العراق في طريقها للحل بعد هذا المؤتمر بسهولة ويسر، وأن المأزق على وشك التلاشي، والأمور هناك على أبواب أن تكون (سمناً على عسل). ولكن من جهة أخرى ليس وهماً الاعتقاد بصحة الاستنتاج القائل بأن الخطوة الأولى على الطريق الطويل قد بدأت، وربما سيتبعها خطوات رغم الصعوبات المؤكدة والقنابل الموقوتة المزروعة على هذه الطريق،
خاصة منها تلك المتعلقة ببعض النفوذ الاستثنائي لبعض جيران العراق الذي يكرس خلال الأعوام السابقة، وصداقات بعض الفئات وعلاقاتها التاريخية مع آخرين خارج البلاد، والتعصب القومي لدى البعض الآخر، وتراجع نفوذ البعض الثالث، والتضييق على الامتيازات التي حققها من لا يستحقها،
ولكن الطريق المسدودة التي سار بها الجميع أوشكت على نهايتها ولا شك أنهم سيضطرون لقبول التوافقات وشيء من التوازن المحتمل والاعتراف المتبادل بأن الجميع شركاء في وطنهم، قل عدد كل منهم أم كثر، وأن المواطنة في النهاية هي المرجعية الوحيدة والعامل الفصل في تحديد الحقوق والواجبات والانتماء والتعايش والعيش المشترك، وإلا لن يخرج أحد من مأزقه.
كاتب سوري