فجعت، كما فجع الكثيرون غيري من المهتمين بالسينما العربية وقضاياها في وفاة المخرج العربي الكبير مصطفى العقاد، والذي راح ضحية الهجمة الشرسة والخراب الكبير الذي تتعرض له أمة العرب على أيدي أطراف عديدة كلها تسعى لتقويضها، دون أن تكون هناك بالمقابل جهود تتساوى مع تلك الهجمات في محاولة الصد.
وتذكرت حين سمعت بخبر وفاة العقاد المرات القليلة التي التقيته فيها وتحدثت معه حول أفلامه وأحلامه، ولم أفكر في شئ حين سمعت بوفاته بقدر ما فكرت بمشروعه الحلم، ذلك المشروع الذي أرقه سنوات طويلة ودار به على الكثير من البلدان العربية والتقى بسببه الكثير من المسؤولين العرب الذين يشغلون مراكز مختلفة،
وفي أماكن صنع قرار مختلفة، تحدث معهم حول المشروع وأبدوا تأييدهم وإعجابهم به، لكن العقاد لم يجد بين اولئك المسؤولين من هم مؤمنون حقيقة به ومستعدون لتحقيقه ودفع تكلفته. فبقي العقاد يطوف ويتحدث حول ذلك الحلم حتى تلاشى تحت الركام معه. إنه مشروعه حول الناصر صلاح الدين، والذي كان يرى فيه، لو تحقق، جوابا مهما للكثير من الأسئلة والشبهات التي تطوف حول الإسلام في الغرب.
والعقاد الذي عاش طويلا في الغرب، وفي الولايات المتحدة تحديدا يعرف الكثير عن شعوب تلك البلدان وعن طرق تفكيرها ونوعية الرسائل التي يجب أن توجه لها. مثلما كان يعرف أبجديات اللغة السينمائية والكيفية التي تصاغ بها، بصريا، رسائلها.
لكن الذين طاف عليهم العقاد بمشروعه وحاول البحث عن دعمهم له لا تشغلهم حقيقة الهموم التي كان يحملها ولا هم مدركون الدور الكبير الذي كان من الممكن أن يلعبه العقاد، نيابة عنهم في إعطاء صورة حقيقية للحضارة التي يفترض أنهم يمثلونها.
هذا على الرغم من أن الكثيرين من اولئك المسؤولين الذين طاف عليهم مصطفى العقاد بمشروعه يصرفون الكثير من المبالغ على مشاريع لا تتساوى لا في القيمة ولا في المعنى مع مشروع فيلم صلاح الدين، رغم أنهم يتحدثون عن أهمية الحوار مع الغرب وتوضيح صورة الإسلام الحقيقية له.
وهنا تعود إلى الذاكرة الحقيقة الناصعة التي لا يجب أن ندفنها بل نضعها دوما نصب أعيننا، وهي أن دولة الإسلام عندما ازدهرت كان سبب ازدهارها يعود بالدرجة الأولى إلى أن قادتها كانوا رجال فكر، وليسوا رجال سياسة فقط.
عندما ازدهرت دولة الإسلام كان الخلفاء يساندون العلماء ويقربونهم من مجالسهم ويعلون من شأنهم ويوكلون إليهم مهمة تعليم أبنائهم، مثلما كانوا يوفرون لهم كل ما من شأنه أن يحقق طموحاتهم من وجود لمراكز العلم ومراكز المعرفة، إلى كل ما من شأنه أن يجعل دولتهم في حالة ازدهار.
اليوم لا يجد العلماء والمفكرون والفنانون الحقيقيون اهتماما حقيقيا في دولنا، بل أن الكثيرين منهم، مثل العقاد وغيره، يذهبون إلى بلدان أخرى، إلى الغرب تحديدا، ليحققوا شيئا من أحلامهم ومن طموحاتهم، ودولة الإسلام تعتاش على الفتات الذي يأتي إليها من الخارج، هذا على الرغم من الثراء الكبير الذي تمتلكه، مادة وفكرا.
ترى لو كان هناك من المسؤولين الذين طاف عليهم مصطفى العقاد بمشروعه من هم مدركون أهمية ذلك العمل والدور الذي كان من الممكن أن يلعبه في إعطاء صورة جميلة وحقيقية عن القيم الجميلة التي يحملها ويمثلها الإسلام وحضارته، وعن الدور الذي كان من الممكن أن يلعبه مشروعه في تعميق امكانيات ونوعيات الحوار مع الآخر/الغربي، هل كان المشروع سيدفن تحت الركام وفي صدر العقاد دون أن يرى النور؟
كان مصطفى العقاد يسعى إلى إخراج فيلم عن صلاح الدين، لأنه كان يرى فيه الرسالة الحقيقية التي تحتاجها المرحلة. فصلاح الدين رمز جلي للكثير من قيم الإسلام. فهو أولا لم يكن عربيا، لكنه تولى مركز القيادة، والإسلام قال لا فرق بين أعجمي أو أعرابي إلا بالتقوى، وصلاح الدين كان يمثل أجمل قيم الإسلام أيضا، ومنها التسامح وتقبل الآخر المختلف.
كثيرون من الفنانين العرب من ذوي الأحلام الكبيرة يطوفون في البلدان العربية المختلفة بأحلامهم دون أن يجدوا من يحققها لهم،في مناطقنا العربية أو من هم على استعداد لتبنيها أو إعطائها العناية التي تستحق. أذكر من هؤلاء أحد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، هو الفنان جمال الأفغاني، والذي كانوا يدورهو الآخر على الكثير من مراكز الثقافة العربية بفكرة مشروع برنامج تلفزيوني كرتوني عن العلوم للأطفال،
ولكنه لم يجد من يتبنى مشروعه أو ينتجه. جهة أجنبية عرضت عليه، كما قال لي مرة، انتاج المشروع على حسابها، ولكن بشرط لم يقبله، وكان الشرط هو أن تشتري تلك المؤسسة المشروع وتنتجه دون أن تضع اسمه عليه. لم يوافق الأفغاني على العرض وبقي المشروع دون جهة تتبناه. بالمقابل هناك الكثيرون ممن لديهم مشاريع سيئة وتعيسة وتسيئ للعرب، لكنهم يجدون من الجهات العربية التي تعنى بانتاج المواد الفكرية الفنية كل العناية والاهتمام، المادي والمعنوي.
جعلني موت مصطفى العقاد اتساءل عن الحكمة في الوضع المتردي الذي نعيش فيه كعرب، وهل أننا في مرحلة، كما تشير إلى ذلك الكثير من الدلائل، ستجهض فيها الكثير من الأحلام الكبرى، فالأمور تولى لغير أصحابها، ويدير الأمور في بعض الأحيان أناس لا يملكون الحكمة. كل هذه العلامات تقول لنا إننا مقبلون على زمن أردأ من الازمان التعيسة التي مرت بنا،
وهذا عصر انهيارات في الكثير من الجوانب السامية للحياة. لكنه أيضا، وكما يقال، هو عصر يعاد فيه ترتيب الحياة ولابد من وجود ثمن لهذا الترتيب. كل شيء في الكون علامة تحمل أكبر من معناها وكل حادث له بعد ظاهر وآخر باطن، والحكماء هم من لا يرون من الحياة قشورها بل ينظرون إلى أبعد من ذلك، إلى الدلالات الرمزية ليقرأوا سفر الكون.
كل الدلالات التي تشير إلى إقبال أوقات أعسر على الكثيرين منا، لكن هذا لا يعفينا من أن نحمل فسائلنا وأن نزرعها، حتى في لحظة القيامة، كما قال لنا يوما رسول الله عليه الصلاة والسلام، فازدهار الخراب لا يعفينا من مسؤولية تأثيث الحياة بالجمال.