من أكثر الكتب طرافة موسوعة »أشهر المنتحرين«! هذه الموسوعة وقعت بين يدي فعكفت على قراءتها لعدة أيام وحين وضعتها جانباً تذكرت قول الله تعالى: » ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيماً« هذه الآية قدم بها مؤلفا الكتاب كتابهما مع إهداء جميل للصابرين الكادحين الذين يدركون لذة الحياة.

في الموسوعة أسماء كثيرة، من كل العالم، نساء ورجال صغار وكبار، شيوخ وشباب ومراهقون في عمر الورد، ومشاهير طبقت شهرتهم الآفاق.

لماذا أطلق الشاعر اللبناني خليل حاوي الرصاص على نفسه ليلة احتلال بيروت، ولماذا تناولت الأميرة الإيرانية ليلى بهلوي كل تلك الكميات الهائلة من الحبوب المنومة والمهدئة والمسكنة للألم؟ لماذا انتحرت الروائية البريطانية الشهيرة فرجينيا وولف بعد كل تلك الشهرة والروايات العظيمة؟ ولماذا سبقها إلى الطريق نفسه رائد الرواية الأميركية الكلاسيكية ارنست همنجواي صاحب نوبل وصاحب »العجوز والبحر« و »لمن تقرع الأجراس« و »ثلوج كليمنجارو«.

كتب أحد أصدقائه قائلا: »لقد كان هيمنجواي دائم الخوف من الهرم والشيخوخة، كان يخاف ذلك اليوم الذي يصبح فيه عاجزاً ووحيداً وضعيفاً، كان دائم الخوف من أن تكون نهايته الانتحار كما فعل والده الطبيب« لكنه في النهاية مات منتحراً ببندقية صيد في صيف عام 1961، بعد أن منح جائزة نوبل على إنجازه الروائي الرائع عام 1954 بعد نشر روايته ذائعة الصيت العجوز والبحر عام 1952، لقد انتحر هروباً من العجز، مع أن الانتحار هو قمة العجز!

وكتب زوج الروائية الارستقراطية فرجينيا وولف أنها قبل انتحارها مباشرة كتبت له قائلة: »اعذرني يا عزيزي فأنا لا أستطيع أن أحتمل أكثر من ذلك، الحياة أصبحت مؤلمة جداً انني أكاد أسمع أصواتاً تعذبني، تناديني، وتفقدني الأمان«. وبالفعل فقد اتجهت للنهر القريب من منزلها وربطت برقبتها حجراً ثقيلاً ثم رمت نفسها إلى المياه على أمل الا تخرج ثانية.. لقد هربت فرجينيا من الحياة، ومن نعمة السعادة التي حاول زوجها أن يوفرها لها بكل قدرته على التفهم والحنان لكن نفوساً في هذه الحياة مجبولة على الكآبة والحزن ومنذورة ــ على ما يبدو ــ للشقاء!!

مع ذلك فإن من النادر أن ينتحر فنان أو أديب في العالم العربي، وقد سئل هذا السؤال منذ سنوات في إحدى المجلات العربية »لماذا لا ينتحر الأدباء العرب«؟ السؤال ليس استنكاراً وليس دعوة للموت، ولكنه من باب دراسة الظاهرة حسب اعتقادي لكن السؤال الذي أطلقته تلك المجلة العربية عام 1981، تمت الإجابة عنه سريعاً وعلى يد أديب عربي هو الشاعر اللبناني خليل حاوي عندما لم يحتمل مرأى الجيش الإسرائيلي يلتهم الأراضي اللبنانية ويحتلها العام 1982، فأطلق على نفسه الرصاص ببندقية صيد.

وبالرغم من كل التبريرات التي تساق لهذه الانتحارات المفجعة والشهيرة، إلا أنه لا شهرة للقتل، لأنه قتل لا أكثر ولا أقل لا شجاعة في القتل ولا نبل ولا جمال، انه فعل مضاد للحياة.. لا يحترم الروح ولا أوامر الخالق في حفظ الأمانة.. الانتحار سلوك عاجز في مواجهة مصاعب الحياة ومصائبها!