اختتم في القاهرة يوم الإثنين الموافق الحادي والعشرين من نوفمبر، المؤتمر التحضيري الذي أعدته الجامعة العربية، بمبادرة من أمينها العام، من أجل إنجاح الحوار الوطني، بين الفصائل العراقية المختلفة، للتوصل إلى صيغة توافق، ينقذ العراق من حالة الجمود المزرية التي يمر بها.
دعي إلى اللقاء مئات الساسة العراقيين، من الذين يشاركون في العملية السياسية، أو الذين أبعدوا أنفسهم عنها، وقد أفادت بعض الأنباء، عن وجود ممثلين للمقاومة المسلحة، أبقوا أنفسهم خارج دائرة الأضواء، إلا أنهم حرصوا على متابعة الأحداث عن كثب.
افتتح المؤتمر الرئيس المصري وحضره الرئيس العراقي ومندوب عن الرئيس الجزائري، رئيس القمة العربية، ورئيسا وزراء العراق ومصر، ووزراء خارجية دول عربية عديدة، ووزيرا خارجية تركيا وإيران، ومندوب عن الأمين العام للأمم المتحدة، وسفراء الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وممثل عن الاتحاد الافريقي.
وعلى الرغم من أن أحداً من العراقيين، لم يتحدث عن جعل القضية العراقية، قضية عربية، إلا أن الجامعة العربية اعتبرتها كذلك، وقد كان لحضور ممثلين للدول دائمة العضوية، في مجلس الأمن الدولي، أهمية خاصة، في إضفاء بعد دولي على الشأن العراقي، ساهم في الضغط على الفرقاء المعنيين للتخفيف من غلواء مواقفهم. وقد تزامن مع انعقاد هذا المؤتمر، حدثاً مهماً، ساهم في تسليط المزيد من الضغوط على الحكومة العراقية، وهو اكتشاف قبو الجادرية لتعذيب المعتقلين.
عقد المؤتمر، وسط أجواء تفاؤل حذرة، ووسط آمال من المراقبين، بأن يكون النقد، معتدلاً عند طرحه، وأن يصار إلى الابتعاد، عن المفردات المنفرة، في لغة الحوار، خاصة أنه حوار في قضايا شديدة التعقيد، يعود بعضها لعقود من الزمن.
كان لإقبال الفرقاء على الحضور، بهذه الكثافة، دوافع عديدة، أبرزها المسؤولية الخطيرة التي يجدون أنفسهم إزاءها، أمام التدهور المستمر الذي تشهده الساحة العراقية، كما أن هذا الحضور لا يمكن عزله عن الإنتخابات المزمع إجراؤها في الخامس عشر من ديسمبر المقبل، فغياب البعض، عن هذا المؤتمر ، مهما كانت أسباب هذا الغياب، يسجل عليه وليس إليه.
ولم يخف أحد من المراقبين توجسه مما قد يحدث، فقد أوشك المؤتمر على الانهيار في يومه الأول، بسبب عمق الخلافات وتباعد الطروحات، والإصرار على عدم مغادرة الخنادق القديمة. فالثلاثون شهراً الماضية، التي أعقبت احتلال العراق، عمقت الصراعات وشحذت أدواتها، ومنحتها أبعاداً جديدة. فقد وجد المؤتمرون أمامهم مجموعة مهمة من القضايا الساخنة، أبرزها:
1 ـــ الموقف من حزب البعث سواء بصفته الرسمية أم بصفة أفراد منه.
2 ـــ الموقف من المقاومة المسلحة للاحتلال، الاعتراف أم عدم الاعتراف.
3 ـــ الموقف من الإرهاب.
4 ـــ انسحاب القوات الأجنبية.
5 ـــ سياسة الإقصاء والتهميش.
6 ـــ ممارسات أمنية مشابهة لما كانت تجري أيام النظام السابق.
ففي الوقت الذي ترفض فيه الحكومة، الخوض في مسألة انسحاب القوات الأجنبية من العراق، متذرعة بوجود العنف، يرى الطرف الآخر عكس ذلك، ويعتبر التفاهم حول هذه النقطة بالذات، مدخلاً إلى المزيد من الحوار، فالعنف موجود بسبب وجود هذه القوات. وهذه المفارقة في الطرح ليست في صلب الخطاب الإعلامي، قدر ما هي في صلب الموقف المبدئي لكل من الطرفين.
يتطلب الخروج، من مأزق العراق الشائك، صراحة وجرأة في النظر إلى طبيعة المشاكل في الساحة العراقية، هنالك ضرورة استثنائية لفهم الواقع العراقي على حقيقته، رغم كل مرارته. هنالك احتقان طائفي شديد، ليس من مصلحة العراقيين نفيه، وهنالك تباعد في الأماني والأهداف لمكونات الشعب الأساسية، وهنالك ممارسات ليست من الديمقراطية في شيء، رغم التبجح بذلك.
أسهمت بعض اللقاءات الجانبية، في تلطيف المواقف المتشنجة، فتحولت أجواء التوتر التي سادت في اليوم الأول، إلى أجواء هادئة، في اليوم الثاني، طغى فيها الحوار البناء، بين أبناء البلد الواحد، ما ساعد على إصدار البيان الختامي التوافقي، الذي رحلت فيه النقاط الخلافية، إلى جلسات المؤتمر الموسع، الذي سيعقد في بغداد، خارج المنطقة الخضراء، في نهاية فبراير من العام المقبل.
ويرجع أحد أسباب نجاح المؤتمر، إلى براعة وحسن نوايا من احتضن المؤتمر، من المسؤولين العرب، الذين كان لهم، حضور إيجابي، أسهم في تطويق الأزمات التي حصلت حال حصولها، وعملوا فوراً على تجاوزها.
كان أبرز النقاط ، التي أعيد النظر فيها، هو ما يتعلق بمسمى المقاومة ومسمى الإرهاب ، والتداخل بينهما، فقد حدث في هذه النقطة بالذات، وتحت ضغوط كثيرة، أهمها الواقع اليومي المعاش في الداخل، بعض الانفراج، رغم أن ذلك لم يرق للكثيرين من الحضور، بسبب الإصرار على التمسك بموقف ما عاد في صالح العراق الاستمرار بالتمسك فيه.
فقد وافق الرئيس العراقي، من حيث المبدأ، على عقد لقاء مع ممثلي المقاومة في بغداد، أو في السليمانية، يحضره مسؤول عربي رفيع المستوى، واشترط الرئيس لذلك، انخراط هذه الجهات بالعملية السياسية السلمية.
ورغم أن بعض النقاط الخلافية الكبرى، التي تتعلق بوجود القوات الأجنبية، لم تحسم بشكل واضح، إلا أن من الواضح بأن الحكومة قد خففت من تصلبها في هذه النقطة، مما شجع الفرقاء الآخرين على التوافق، رغم بعض التحفظات، على بعض النقاط، التي أضيفت إلى البيان الختامي، بعيد صياغته.
يتحمل الفرقاء كافة، مسؤولية تاريخية عن إنجاح هذا المسعى، ويتحمل الأطراف الذين هم في موقع السلطة، أكثر من غيرهم مسؤولية ذلك. فهنالك ثلاثة شهور تفصلنا عن موعد انعقاد المؤتمر، قد تكون كافية لمد جسور الثقة الضرورية لإنجاحه. وذلك من خلال الممارسات اليومية، التي تطفىء لهيب الفتن، وتشيع روح التسامح، وكذلك من خلال اتخاذ إجراءات ملموسة، تزيح عن كاهل العراقيين ، بعض هموم حياتهم اليومية،
وتخلق الأجواء الصحية أمام المؤتمر المقبل الذي سيقوم بصياغة المشروع الوطني العراقي، يسترجع فيه البلد سيادته، من خلال جدولة انسحاب القوات الأجنبية، بالتزامن مع بناء القوات العراقية القادرة على القيام بمهامها، وبمشاركة جميع مكونات الشعب في العملية السياسية، فهنالك مكان للجميع تحت الخيمة العراقية.
majamal@emirates.net.ae
كاتب عراقي