أصيب الفعل العربي الرسمي بالسكتة القلبية في العراق، ولمدة عامين كاملين، يقول الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى إنهم في الجامعة كانوا يدرسون الأوضاع ويتقصون الحقائق، ولم يكونوا صامتين، لكن ما نعرفه عنه ونتابعه أن تعليمات مشددة اتخذت من جانب الغزاة لتركهم متفردين وبحق حصري يفعلون في العراق ما يحلو لهم،

على اعتبار أنهم أصحاب الفكرة، وهم أولى باستكمال خيوط اللعبة التي بدأوها حتى النهاية، أما العرب فالأوامر تقتضي ـــ أو كانت تقتضي ـــ بأن يجلسوا فوق دكة الاحتياط لحين الحاجة إليهم!

ترك النظام العربي الرسمي العراق »يدبر رأسه« وحده على رأي إخواننا اللبنانيين ـــ تحيط به من جهاته الأربع كل الرزايا والمحن: القوات الغازية بكل عنجهيتها وجبروتها، الجماعات الإرهابية بكل وقاحتها، دعوات التقسيم المريرة،

واحتمالات الحرب الطائفية التي تكرسها وتنميها اليوم أطراف مجاورة وحكومة العراق الحالية، أما من جهة القلب فكانت تلك المحاولات المستميتة الموجهة سهامها مباشرة صوب هوية العراق، عروبته، حضارته، إنسانه الذي غص بعراقه، وهو يجلد على اليمين والشمال.

أما نحن، شعوب الأمة العربية، فبقينا ثابتين في موقعنا الأبدي، موقع المتفرج أبداً على كل الأحداث، في البداية صدمنا ثم اعتدنا على الفرجة، واليوم نحن نتفرج على العراق ببساطة وكأننا نتفرج على فيلم »آكشن« وارد أميركا، وفي آخر العرض نطفئ التلفزيون وننام كأن عراقاً جميلاً لم يكن!

لقد مر على لحظة الاحتلال القاتلة زمن طويل كليل بلا آخر، تلك اللحظة التي بكى فيها أغلبنا كما لم يبك من قبل، وكما سقط بعضنا مصاباً بالفالج يوم احتلت الجيوش الإسرائيلية بيروت في وضح النهار العربي.. العراق اليوم ليس شأناً عربياً ولا شأناً قومياً، ولا شأناً دينياً، ولا شأناً أخلاقياً.

العراق اليوم شأن أميركي بحت، وحين تتأزم القوات الأميركية مع حلفائها على الأرض وفي الدهاليز، مع المقاومة أو مع الإرهاب يسرع كلاهما ـــ الأميركان والحكومة العراقية الحالية ـــ للاستعانة باللاعبين على دكة الاحتياط لإنقاذ ماء الوجه أمام الجماهير المتفرجة على مباراة الديمقراطية.

اليوم تتسارع الخطوات العربية صوب العراق، والعراقية صوب مصر، أهو انفراج جاء متأخراً؟ أم صحوة عربية آن أوانها؟ أم هي التمثيلية القديمة القائمة على تبادل الأدوار بين الأطراف المختلفة، وأن كل التحرك القائم والذي لم يكن موجوداً كان متفقاً عليه وبرضا الجميع.

واليوم أيضاً ـــ وقبل أي يوم آخر ـــ ونذر الحرب الطائفية وشيكة جداً في ظل تدني أداء حكومة إبراهيم الجعفري، وتسرب معلومات التعذيب بحق المعتقلين السنة في سجون وزارة الداخلية، وتعاظم الدور الإيراني في العراق. ماذا بعد كل ذلك؟ كيف نتحدث عن حوار ووئام وسلام.. سلام يا سلام!

إنها سياسة المصالح، ومصالح السياسيين، تتجاذبها أطراف تتقارب وتتباعد بقدر ما تكون هناك مصالح ومغانم، أما الإنسان العراقي فآخر الأهداف.. لكنه حتماً هدف للموت والجوع والإهانة.. وليس هناك سوى صرخة السياب: آه يا عراق..

وفي خلفية الصورة طفلة عراقية تشبه البهجة والشجن العراقي المعتق، ملطخة الوجه، ممزقة الثياب تنقب في القمامة عن شيء يبقيها على قيد الحياة 24 ساعة أخرى، بينما ثروات وطنها بالمليارات تعبأ وتسرق في صمت رهيب، هكذا هي حكمة الشرق الأزلية.

العيس في البيداء يقتلها الظمأ.

والماء فوق ظهورها محمول!

sultan@dmi.gov.ae