جدير بالمفكّرين والمثقفين والإعلاميين العرب أن يعنوا الآن بالتفكير في كيفية وضع »مشروع نهضوي عربي مشترك« لا بالتحليل السياسي للواقع الراهن فقط .. فالملاحظ هذه الأيام أنّه يكثر المحلّلون السياسيون لحاضر الأمَّة.
ويكثر أيضاً الحركيون القابعون في ماضي هذه الأمّة، لكن عدد المُعدّين لمستقبلٍ أفضل لهذه الأمّة يكاد يتضاءل .. علماً بأنَّ الأمّة التي لا يفكّر أبناؤها لمستقبلها تنقاد لما يفكّره لها الغرباء.. وهاهم الآن في عقر دارنا!.
إنَّ بعض العرب يؤرّخون لعصر الهزائم الذي تعيشه الأمّة العربية بالنظر حصراً إلى النصف الأخير من القرن الماضي، فكثيراً ما نسمع ونقرأ عن الخمسين سنة الماضية وكأنّها عصر الانحطاط الذي استتبع العصر الذهبي للعرب .. فهل هذا صحيحٌ تاريخياً؟ وهل صحيح أنَّ العصر الانهزامي الانقسامي العربي الراهن بدأ حصراً مع تاريخ هزيمة عام 1948؟!
وماذا عن النصف الأول من القرن العشرين وما جرى فيه أيضاً من سلبياتٍ فرضت نفسها على الأمّة العربية كلّها: ضعف الدولة العثمانية الحاكمة وسوء سياساتها وإدارتها ـــ الاستعمار الأوروبي الذي ورث الهيمنة العثمانية على العرب باسم الانتداب – تجزئة المنطقة العربية إلى دولٍ متنازعة على الحدود..
ولا ننسى أيضاً أنّ الأوروبي »الديمقراطي« قد حكم معظم البلاد العربية بأسلوب الحكم المباشر وبصلاحيات مطلقة وبتغطية دولية (باسم الانتداب)، فلِمَ لم يُقِم هذا »الديمقراطي« الأوروبي مؤسسات سياسية ديمقراطية في البلاد التي حكمها، ولِمَ حافظ (بل وشجّع) على الصراعات الداخلية في كلّ بلد وأبقى اقتصاديات هذه البلاد في أقصى حالات التخلّف حتى يسهل عليه سرقة ثرواتها؟!
صحيح أنّ الأوضاع السائدة في معظم البلدان النامية هي شبيهة بحال المنطقة العربية، كذلك بالنسبة إلى حجم التحدّيات فيها والأطماع الخارجية، إلا أن المنطقة العربية تتميز عن غيرها من تلك الدول في مسألتين اثنتين:
الأولى ـــ خصوصيات المنطقة العربية التي جغرافياً تشكّل أهمّ موقعٍ استراتيجي في العالم من حيث انتشارها على مداخل قارّتي آسيا وأفريقيا ومجاورتها لمعظم القارّة الأوروبية.
والمنطقة العربية أيضاً هي أرض الثروات الطبيعية ومصادر الطاقة الدولية وأهمّها النفط الذي يعتمد عليه الاقتصاد العالمي منذ عقودٍ طويلة. كذلك، فإنَّ المنطقة العربية هي أرض الرسالات السماوية ومهبط الرسل وموقع الأماكن المقدّسة لكلّ الطوائف الدينية السماوية.
إذن، فإنّ التحكّم والسيطرة على المنطقة العربية من قبل أيّة جهةٍ خارجية يعني تحكّماً وسيطرةً على موقعٍ استراتيجي هام، وعلى أهمّ مصادر الثروات الطبيعية، وعلى مواقع ومراكز مرجعياتٍ دينية هامّة.
أمّا المسألة الثانية التي تميّز المنطقة العربية عن باقي الدول النامية، فهي أنّ الخارج يتعامل مع هذه المنطقة كوحدةٍ متكاملة مستهدفة، وفي إطار خطّة استراتيجية واحدة لأجزاء المنطقة كلّها.
بينما يتوزّع أبناء هذه المنطقة على أكثر من عشرين دولة وفق ترتيباتٍ دولية بين القوى الأوروبية الكبرى في مطلع القرن العشرين، بحيث غدت الدول العربية في هيئتها الحالية الآن أمراً واقعاً يزداد بعضها تفسخاً يوماً إثر يوم.
ولقد أدّى هذا الواقع الانقسامي، وما زال، إلى بعثرة الطاقات العربية (المادية والبشرية) وإلى صعوبة تأمين قوّة عربية فاعلة لمواجهة التحدّيات الخارجية أو للقيام بدورٍ إقليمي مؤثّر تجاه الأزمات المحلية.
بل أدّى أيضاً لوجود عجزٍ أمني ذاتي يستطيع التعامل مع ما يطرأ من أزماتٍ وصراعات داخل المنطقة ممّا يبرّر بنظر البعض الاستعانة بقوًى أمنية خارجية قادرة على حلّ هذه الصراعات.
حصل هذا الأمر إلى حدٍّ ما في أوروبا الغربية التي اضطرّت مؤخراًً للاستعانة بالولايات المتحدة الأميركية لمعالجة تداعيات الحرب اليوغسلافية بعد أن عجزت دولها عن وقف هذه الحرب على أرضها.
إذ رغم القوّة العسكرية الخاصّة لكلّ بلد منها ورغم ما بينها من صيغ للتعاون الأوروبي إلا أنّها افتقدت الأداة العسكرية المشتركة والإرادة السياسية الواحدة فاضطرّت إلى اللجوء لواشنطن لطلب المساعدة.
لذلك نرى اليوم أنّ بعض دول الإتحاد الأوروبي تعمل على بناء قوة عسكرية مشتركة كنواة لجيش أوروبي واحد، كما تعمل هذه الدول أيضاً على تطوير صيغة الاتحاد الأوروبي لكي يكون له مستقبلاً سياسة خارجية واحدة.
فلِمَ أدركت دول أوروبا الغربية ذلك، رغم ما هي عليه من تباين عرقي وثقافي واجتماعي ومن تاريخٍ مليء بالحروب والصراعات الدموية، ولم يدرك العرب بعدُ من جانبهم ذلك؟!
لِمَ نجحت هذه الدول الأوروبية في تطوير صيغ التعاون فيما بينها على مدار الخمسين سنة الماضية، بينما عجزت جامعة الدول العربية عن فعل ذلك رغم العمر الزمني المشترك بين هاتين التجربتين؟
! ألا يؤكّد هذا أنّ المشكلة هي في انعدام القرار السياسي أو في سوء استخدام هذا القرار لا بتوفر الظروف المناسبة أو الإمكانات المتاحة؟!
ليس الحلّ إذن بالتخلّي عن هدف التعاون والتكامل الاتحادي الذي يحافظ على الخصوصيات الوطنية لكلّ بلدٍ عربي (كما في التجربة الأوروبية)، بل هو في إصلاح الإعطاب في الجسم السياسي العربي وفي مؤسّسات الإدارة وفي هيئات التخطيط والتشريع والرقابة، ومع ضرورة الإصرار على الهدف مهما تنوّعت الأساليب وتعدّدت الأخطاء.
اليوم، تعيش الأمّة العربية أوضاعاً مشابهة لما كانت عليه منذ مائة عام، وهي تدخل مرحلة شبيهة بما حصل عقب الحرب العالمية الأولى من دخول عدّة بلدان عربية في مرحلة »الانتداب« الدولي.
أيضاً، تتكرّر اليوم أخطاء القرن الماضي، من حيث التوافق العربي على وصف الحاضر لكن مع عدم الاتفاق على مشروع عربيٍ مشترك للمستقبل.
وهنا تأتي مسؤولية جماعات الفكر والثقافة والدعوة التي عايشت تلك الفترة، حيث اتجه بعضها يدافع عن »التحديث الأوروبي« القادم للمنطقة، بينما راح بعضها الآخر يبرّر سلبيات الحقبة العثمانية ويعيش حلم يقظة بالعودة إليها .. قلّة قليلة فقط هي التي خرجت تواجه المأزقين: مأزق الماضي العثماني ومأزق الحاضر الاستعماري الأوروبي..
قلّة كان من أبرز أعلامها الأفغاني وعبده والكواكبي وآخرون غيرهم، طالبوا جميعاً بإصلاح الفكر والذات العربية والإسلامية كمدخل وحيد لبناء مستقبلٍ أفضل.. اشتركوا جميعاً في ضرورة التعامل مع مشكلة الاستبداد المعششة في الأفراد والجماعات.
وطالبوا بتحرير الفكر من القوالب الجامدة وباعتماد مرجعية العقل في فهم أمور الدنيا والفقه معاً.. هؤلاء وغيرهم طالبوا أيضاً بالتخلّص من العادات والتقاليد الخاطئة التي حرمت المرأة من حقوقها المدنية والاجتماعية.
لكن فكر وحركة هذه الثلّة من الإصلاحيين العرب والمسلمين بقيا أسيري الكتب ولم يتحولا إلى حركة تغيير شعبية شاملة، وبقي المجتمع العربي أسير التطرّف نحو التحديث الغربي أو التطرّف في العودة إلى الماضي السلفي.حال العرب اليوم شبيه بحالهم قبل قرن من الزمن، مع غياب فكر إصلاحي شامل وحركة نهضوية فاعلة.
ولعلّ أبرز السمات المطلوبة في أي »مشروع نهضوي عربي مشترك«ضرورة تبنّي الخلاصات التي أدركها الأوروبيون عقب الحرب العالمية الثانية وبدأوا معها ومن خلالها مسيرة الاتحاد الديمقراطي الأوروبي.
وبأن يكون منطلق هذا »المشروع المستقبليّ العربي« تلك الخلاصات التي وضعها دعاة النهضة والإصلاح في المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الأولى.
alhewar@alhewar.com
مدير »مركز الحوار العربي« في واشنطن