عند تشكيل أي وزارة في أي بلد بالشرق أو الغرب، درج المعلقون والمحللون السياسيون على أن يسألوا عن اسم وزير الخارجية باعتباره همزة الوصل بين البلد وحكومته وبين أقطار العالم الخارجي بما يضمه من دول ومؤسسات ومنظمات.

ربما كان الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة هو السيد ساركوزي الذي ما برح اسمه يتردد بالايجاب أحيانا وبالسلب في معظم الأحيان عند تناول أحداث العنف التي مازالت فرنسا تكابد وطأتها وتعاني عواقبها.

السيد ساركوزي ـــ كما هو معروف ـ هو وزير داخلية فرنسا.. أما حكاية الإيجاب التي ألمحنا إليها فتتمثل في نتائج آخر استطلاع للرأي أجراه المختصون في مستهل الأسبوع الحالي فإذا بنسبة 68 في المئة تعطي علامات مرتفعة بالموافقة على سلوك وتصرفات وقرارات السيد ساركوزي خلال ملابسات أزمة الضواحي والمدن الفرنسية التي اشتعلت بنيران السخط وعنف الفقر ووطأة النبذ والتهميش والإقصاء والاستبعاد.

أما جوانب السلب فمازالت تتجسد في رفض حزمة من سلوكيات الوزير الفرنسي سواء من ناحية مستوى المصطلحات اللغوية المهينة التي وصف بها جموع الساخطين وقوام هذه الجموع كان بالذات من شباب العرب والمسلمين..دع عنك إصدار قرارات سلطوية، أما بالترحيل أوالطرد أو استخدام عنف الشرطة بحق أفراد من تلك الجموع.

الثنائية الوزارية

في هذا السياق بالذات يلفت نظر المراقب السياسي تلك الثنائية التي تتسم بها السلطة الوزارية في بلدان بعينها.. ففي كثير من الدول الإسلامية والعربية نجد ثنائية المسؤولية الوزارية عن الأوقاف والشؤون الإسلامية.

أو عن الأوقاف وشؤون الأزهر (في الأعراف السياسية المصرية)، ونجد نفس الظاهرة الثنائية في بلدان بأمريكا اللاتينية (الأرجنتين مثلا) حيث تقرأ في التشكيل الحكومي لقب وزير الخارجية وشؤون الأديان..

أما في فرنسا فالاقتران هنا ـ كما تشير سطور بحث بقلم مايانتي فرناندو من جامعة شيكاغو الأمريكية ـ يتم بين حقيبة وزارة الداخلية وبين مسؤولية شؤون العقائد (كولت) لدرجة يمكن أن نطلق فيها على السيد ساركوزي ونظرائه لقب وزير الشئون الداخلية وشؤون المِلل والِنحَل, استنادا إلى مصطلحات تراثنا العربي القديم.

وجدير بالذكر أن البحث الذي أحلنا إليه منشور في أحدث أعداد مجلة أمريكية مهمة من حيث تخصصها في قضايا وأحوال الشرق الأوسط (ميدل إيست ريبورت ـــ صيف 2005).

ومن دلائل قدرة التحليل السياسي البحثية على القراءة الصحيحة للواقع واستشراف تطورات هذا الواقع إلى المستقبل ـــ أن المجلة الأمريكية المذكورة خصصت عددها لموضوع محوري حمل عنوانا رئيسيا يقول:

»أوروبا والإسلام« أما العنوان الفرعي الشارح لهذا الملف الأساسي فجاء بدوره أكثر أبانة وأبلغ دلالة وهو: تحدي الاستيعاب بما يحمله من ظلال الضم والترحيب وعدم النبذ أو الإقصاء أو التهميش.

في هذا الإطار يتوقف البحث المنشور بالإنجليزية عند ظاهرة ربما يختص بها المشهد الفرنسي ـــ ويجسدها الدورالمحوري الذي لا يفتأ يضطلع به كل وزير داخلية في حكومات فرنسا إزاء مشاكل الدين رقم اثنين على صعيدها وهو الإسلام، ومن ثم جماعة المسلمين.

وفي ضوء ما توصلت إليه نتائج البحث يمكن القول إن حوادث العنف والتمرد (الشغب كما يقول مصطلح الشرطة) لم تأت مباغتة وربما لم تكن مفاجئة لمن كان يرصد بدقة حقائق ذلك المشهد الفرنسي, سواء كانت ظاهرة على السطح أو مستترة بين الكواليس.

يشهد على ذلك مثلا ما سبق إليه المسؤولون الفرنسيون في مايو عام 2003 من إنشاء »المجلس الفرنسي للعقيدة الإسلامية« ليكون هيئة قومية تضم 16 عضوا يتم اختيارهم بالانتخاب لكي تكون همزة الوصل بين الدولة الفرنسية وبين القضايا التي تهم مجتمع المسلمين.

بيد أن الدراسة الأمريكية المنشورة لا تلبث أن تؤكد للقارئ المهتم أن إنشاء مثل هذا المجلس لم يكن مجرد بادرة تطوعية ولا حتى إصلاحية من جانب سلطة باريس بقدر ما كان مؤسسة تصدر ـــ كما تضيف الدراسة ـــ عن مخاوف عميقة تراود فرنسا إزاء ما يوصف بأنه »ارتفاع مد الإسلام السياسي فضلا عن ما يسمى الإرهاب الإسلامي«.

وخاصة احتمال أن تعبر الحرب الأهلية من الجزائر مياه البحر المتوسط إلى أراضي فرنسا (والإشارة تتعلق بطبيعة الحال بحوادث العنف المسلح التي شهدتها الجزائر ولاسيما في عقد التسعينيات وعلى يد جماعات رفعت خلالها شعارات إسلامية.

دور وزراء الداخلية

وفي كل حال، فقد ظلت أمور التعاطي مع قضية مسلمي فرنسا موكلة إلى وزراء داخليتها المتعاقبين، ما بين بيير جوكس أول من فكر عام 1989 في إنشاء مجلس تنسيقي يهتم بأمر المسلمين الفرنسيين .

وبعده جاء شارل باسكوا وزير الداخلية في منتصف التسعينات الذي حرص على رسم خط فاصل يميز بين الإسلام الأجنبي ـ الخارجي (إسلام إترانجير) وبين »الإسلام الفرنسي«، (إسلام دي فرانس) كما كان يسميه.

ثم تولى حقيبة الداخلية عام 1996 سياسي من صفوف الاشتراكيين الفرنسيين هو جان بيير شفنما الذي عمد إلى توسيع تمثيل المسلمين بحكم اتساع مصالحهم وتنوع اهتماماتهم .

حيث لم يعد التعاطي مع هذه الاهتمامات مقصورا على دائرة جامع باريس الكبيربل تعداه إلى تشكيل لجنة أوسع تمثيلا شملت أطرافا عدة ومؤسسات شتى كان على رأسها اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية والفيدرالية الوطنية للمسلمين الفرنسيين .

وكان الهدف من هذا التوسيع هو تجسيد مصالح المسلمين القادمين من شمال افريقيا (الجزائريين بالذات)وكذلك المسلمين القادمين من غربي أوروبا (الأتراك بالذات) وقد استخدم الوزيرالفرنسي آنذاك عبارة ذاعت منذ ذلك الحين قال فيها »إن هدفي من هذا كله هو دعوتهم إلى المشاركة في مائدة الجمهورية«.

ويبدو أن الجمهورية لم تعرض شيئا من أطايب مائدتها على مواطنيها من المسلمين.. الذين أعربوا عن تحفظات بلغت حدود السخط ومن ثم أسلمت إلى سلوكيات الرفض والتمرد إذا كانوا يشمون بين ثنايا هذه الإجراءات جميعا رائحة تمييز عنصري وروح كولونياليه.

ونزعة تميل إلى الاستعلاء المرادف بداهة للاستبعاد.. تلك هي خلفية المشهد الذي كان قائما حين وفد على وزارة الداخلية، ساركوزي في مايو عام 2002 (لاحظ أنه تاريخ لا يبعد عن كارثة ـــ الحادي عشر من سبتمبر سوى بتسعة شهور فقط).

ومن المفارقات أن ملاحظتنا هذه تصدقها أيضا عبارات وردت في الدراسة الأمريكية قرنت بين الوزير الفرنسي نيكولاس ساركوزي وبين نظير أمريكي هو رودلف جولياني ـــ عمدة نيويورك خلال فاجعة سبتمبر عام 2001 من حيث قوة الشكيمة .

وفرط الثقة في النفس دون أن تتطرق الدراسة إلى أخطر سلبية في سلوك الرجلين وهي موقف كل منهما السلبي إزاء العرب (الفلسطينيين في حالة جولياني) والمسلمين (الفرنسيين في حالة ساركوزي).

في الحالة الأخيرة يرتفع صوت السيدة دنيا بوزار المسلمة الفرنسية،وأستاذة علم الانثربولوجيا التي أعلنت رأيها خلال الأحداث الأخيرة فقالت:

»إذا ما كانت فرنسا تود بحق أن تدعو مسلميها إلى »مائدة الجمهورية«، في إطار جهودها لوعي واستيعاب الاختلافات الثقافية والدينية، فإن على باريس أن تصغي أولا إلى هؤلاء الذين يجلسون إلى المائدة ويحاولون الكلام عن احتياجاتهم ومعاناتهم دون أن يسمعهم أحد.

كاتب مصري