انطوت قبل أيام صفحة المرحلة الثانية لقمة المعلومات التي عُقدت في تونس، لتطوي معها صفحة جديدة من صفحات خيباتنا وانكساراتنا التي أوشكنا على التآلف معها، والاستكانة إليها.
وقد توقف الكثيرون عند أدق التفاصيل التي صاحبت انعقاد هذه القمة، ولا أريد الخوض في كل تلك التفاصيل، ولكنني سأحاول فقط تتبع مستوى الحضور العربي في القمة، وسأنطلق في الحديث عنه من خلال استعراض عدد من الاعتراضات التي صاحبت انطلاق هذه القمة.
وخيّمت على أجوائها، ابتداء من اعتراض منظمات حقوق الإنسان على انعقادها في تونس رغم سجلها المعروف في مجال حقوق الإنسان، وانتهاء باعتراض عدد كبير من الدول الأوروبية.
وغيرها على إبقاء شبكة الإنترنت العالمية تحت السيطرة الأميركية، مرورًا برفض شريحة كبيرة من التونسيين حضور وفد إسرائيلي لبلادهم، وغير ذلك من سلسلة الاعتراضات التي صاحبت انعقاد هذه القمة.
وسأتوقف أولا عند الاعتراض على مكان انعقاد المؤتمر، فهذا الاعتراض لم يغير من واقع الأمر شيئًا، وقد تم انعقاد القمة في تونس فعلا رغم كل ما عليها من مآخذ حول احترامها لحقوق الإنسان وحريته في التعبير، إذ ذكر تقرير لمنظمة (هيومان رايتس ووتش) أن السلطات التونسية تقوم بسجن من يعارضها في الرأي على أي موقع إلكتروني.
وإغلاق المواقع التي تنتقدها، فكان من باب أولى أن تُستَبعد تونس من استضافة قمة كهذه، وألا تحظى بشرف مثل هذا إلا بعد أن تغير ممارساتها تجاه المعارضين الذين يكتفون بالتعبير عن رأيهم على الشبكة دون القيام بالتحريض أو بأعمال عنف أو تخريب.
ومع انعقاد المؤتمر في بلد عربي إلا أن واقع الحضور العربي كان مخجلا ومتواضعًا على أكثر من مستوى؛ فقد كان من الأولى أن يكون الحضور العربي أكثر كثافة وتأثيرًا، لعدة أسباب، أولها إظهار نوع من المؤازرة للبلد العربي الشقيق الذي يشهد حدثًا عالميًا على قدر كبير من الأهمية. وثانيها إظهار الاهتمام بالمحور الرئيسي في القمة.
والذي يمثل المحور الرئيسي في العملية التنموية العالمية، ويفتح بابًا جديدًا في الاقتصاد العالمي، فيما يُعرف بالاقتصاد المعرفي الذي يعني تحول المعلومات إلى أهم سلعة في المجتمع، بحيث يتم تحويل المعارف العلمية إلى الشكل الرقمي، لتصبح سلعة يمكن الاتجار بها.
إن ضآلة الحضور العربي في هذه القمة تنم عن أحد أمرين: إما عن عدم إدراكنا لأهمية القمة، ولأهمية المسائل التي كانت ستُطرح فيها، أو عن حسن تقديرنا لضرورة مشاركتنا وحضورنا في القمة بقدر مشاركتنا الفعلية في إنتاج هذا النوع من الصناعات.
وحضورنا الحقيقي فيه على مستوى التصنيع والإنتاج والتصدير. ويبدو أن حضورنا جاء متناسبًا مع مقدار إسهامنا في الثورة المعلوماتية، ضئيلا وهامشيًا وغير مؤثر.
وفي حين جاء الاعتراض الثاني عربيًا، إذ صدر عن بعض فئات الشعب التونسي الرافضة لحضور وفد إسرائيلي القمة المنعقدة على أرضه، إلا أن الملاحظ هو أن تلك الاعتراضات صدرت من التونسيين فقط، ولكن ما موقف بقية الدول العربية شعوبًا وحكامًا؟
أما الاعتراض الأخير، الذي كان منصبًا على استمرار الإشراف الأميركي على شبكة الإنترنت العالمية، فقد كان هاجس دول الاتحاد الأوروبي ودول أخرى كالبرازيل والصين وغيرهما، أما الدول العربية فلم يُسمع لها صوت في هذا الشأن.
وقد فرضت الولايات المتحدة رغبتها على المجتمع الدولي، سواء شارك العربُ في الاعتراض مع المعترضين أو لم يشاركوا، وانتهت القمة بعد أن عززت الولايات المتحدة نزعتها نحو الهيمنة والسيطرة على جميع من حولها تكنولوجيًا ومعلوماتيًا، بعد أن عزّزتها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
ولعلنا إذا شئنا أن نقول كلمة حق في هذا الشأن سنعذر الولايات المتحدة في تمسكها بحق الإشراف المطلق على شبكة الإنترنت العالمية، لسبب واحد فقط، هو أن انطلاق الشرارة الأولى للشبكة العنكبوتية التي أصبحت اليوم تصل مشارق الأرض بمغاربها كان من داخل معامل الجيش الأميركي.
أي أن الولايات المتحدة هي مصدر هذه الشبكة، وهذا يبرر تمسكها الشديد والمتعنت بأمر أنتجته، وترى أن من حقها أن تحتفظ بملكيته وليس الإشراف عليه فقط مدى الحياة إن أرادت ذلك.
ولكن من الواضح أن الولايات المتحدة لا تتمسك بهذا الحق من أجل هذا السبب فقط، بل هناك أسباب أخرى أكثر أهمية عندها، منها على سبيل المثال أن العالم يوشك على الدخول في ثورة جديدة، يمثل فيها قطاع المعلومات العصب الرئيسي، والمحرك الأساسي لكل جوانب الحياة.
ولعل الجانب الاقتصادي يأتي على رأسها. كما أن تزايد استخدام الإنترنت لأغراض (إرهابية) يفرض على الولايات المتحدة أن تستمر في فرض هذه الرقابة على الإنترنت، كما يشير إلى ذلك بعض المراقبين والمحللين.
واللافت للنظر أن مسألة الإشراف على الإنترنت كانت إحدى المسائل التي طُرحت في قمة جنيف (2003م)، وأرجئت للمداولة في قمة تونس (2005م)، ومع هذا لا تزال عالقة بعد انتهاء هذه الأخيرة.
ويبدو أنها ستظل كذلك حتى بعد القمة القادمة المقرر عقدها في اليونان (2006م)، لأن إيجاد حل لها يعني فقدان الولايات المتحدة قدرًا من سيطرتها المحكمة على الإنترنت وبالتالي على العالم كله، وهذا ما تحاول تفاديه بتأجيل البت في هذه المسألة من قمة إلى أخرى كما يبدو.
إن ما حدث في قمة المعلومات يعزز مكانة الولايات المتحدة بوصفها قمة الهرم العالمي في الوقت الذي يعزز وجودنا في قاعدته، لأننا لم نستطع أن نقدم أنفسنا في هذه القمة كمشاركين في الصناعة التكنولوجية والمعلوماتية.
ولا حتى كمهتمين بها، حسبما كشف عنه حضورنا المتواضع والخجول لفعالياتها، بما يعني موافقتنا ضمنًا على تنصيب الولايات المتحدة نفسها قمةً للعالم تكنولوجيًا أيضًا، بعد أن أصبحت كذلك سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
sunono@yahoo.com
جامعة الإمارات