كتب احد الأصدقاء المفكرين القوميين اللبنانيين مؤخراً مقالة رصينة حول استعادة العرب للنهج الليبرالي، وبقدر ما أعجبتني بعض الأفكار، فإنني خالفت الرجل في ما توصّل إليه من استنتاجات..
ويبدو ان الكتاب والمحللين العرب يدركون بأن منطقتنا بدأت تتحرك نحو المستقبل ولكنهم لا يدركون ان ثمن ذلك مخاض صعب في بحر عواصف هائجة من ثورة الأعراق والأقليات والطوائف وتمذهب الجماعات.. الخ.
ان منطقتنا العربية قد مرّت في القرن العشرين بسلسلة من العواصف السياسية بتأثير ظاهرتي الاستعمار والأيديولوجيات، بعد ان انتقلت من أنظمتها القديمة إلى كيانات سياسية لها شرعيتها ثم عصفت بها الانقلابات العسكرية والدموية.
وارتفعت بين الحين والآخر أمواج طاغية من قوى تيارات شتى عاشت صراعات دموية لتنظيمات حزبية وقومية وصولا الى طغيان مد التطرّف والتعصّبات بتأثير أحداث تاريخية جرت في العام 1979. وعليه، فان لا علاج لما حدث إلا بتوفير المناخ الملائم لكي يعّبر كل طرف عن رأيه وحقائقه ضمن ما يكفله القانون.
بعد ان دخلنا القرن الواحد والعشرين بدأت أحداث تاريخية إرهابية في العام 2001 لتعصف بمنطقتنا وتجعلها تتحرك في بحر العواصف. فكيف يمكننا أن نمخر عباب البحر لنصل إلى الشواطئ الهادئة بأمان ويسر؟
هل ثمة مستلزمات وضرورات أساسية تحفظ مجتمعاتنا من غول التعصبات والتطرف الذي بدأ يستغل الدين والطائفة والأعراق لإثارة النزعات في المجتمعات وحرق كل القيم والتقاليد الرائعة من تعايشات مجتمعات منطقتنا وانسجاماتها؟
هل ثمة متطلبات حقيقية لترسيخ قيم سياسية وتشريعات وقوانين رسمية بدأت مجتمعاتنا بحاجة ماسة لها؟ كيف يمكننا جعل مجتمعاتنا تدرك معاني التحولات التاريخية وترسّخ الوعي لديها بالاستنارة والقيم الفاضلة .
والموروثات القديمة الأصيلة كما هو حال مجتمعات أخرى أجرت تحولاتها مع محافظتها على أصالة ما توارثته من تقاليد رائعة وأمامنا اليابان وبريطانيا وبلجيكا وهولندا واسبانيا وغيرها..
ليس المهم أن يتراكض العرب ليجرّبوا عمليات سياسية واجتماعية من دون قوة معرفة ولا سابق وعي أو ثقافة إدراك أو بعد نظر.. ليس المهم أن يصفّق المجتمع لظواهر وأحداث ووقائع بعاطفية ومن دون تفكير ولم يكتشف الحقيقة إلا بعد أن ينتج ما صفق له المزيد من الكوارث والنكبات !!
ليس المهم أن نخلط الأوراق والأشياء والأفكار والمشاريع بعضها بالبعض الآخر من دون أي تفكير عقلاني ولا أي إجماع وطني ولا أي إحاطة واستنارة بذلك.. لا يمكن أن تغدو مجتمعاتنا المتنوعة في تجاربها السياسية وأفكارها وثقافتها مهددة في صميمها بسبب ظاهرة »الإرهاب« التي تستشري في عالمينا العربي والإسلامي ويتفاقم خطرها يوما بعد آخر على العالم كله.
لا يمكن ان يسّوق ديننا الإسلامي الحنيف بكل تجلياته وسمو قدره ونظافة أحكامه وتشريعاته ليغدو مشروعا لقتل الأبرياء في كل هذا العالم كي نكسب سمعة رديئة للإسلام .
وتلطخ قيم المسلمين بأسوأ الصفات !! لا يمكن أن تبقى الأفكار المؤدلجة التي سادت وترسخت حتى في اللاوعي العربي الجمعي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية سائدة حتى اليوم .
ومترسخة في عقول جيل عريض كامل هو اليوم في كامل نضوجه.. ولكنه مغمض العيون وخامل العقل عن استقبال أي فكر جديد ولا أي مشروع جديد ولا يتقّبل أي تغيير حقيقي !! بل ويرى الأحداث من زاوية محددة واحدة.
ان صناعة القرارات المصيرية لم يعد لها وجود في الحياة العربية المعاصرة، وكأن مجتمعاتنا يوجهها الإعلام المرئي حيثما يريد.. وكم نادينا منذ أكثر من عشرين سنة بأن على دولنا العربية كافة ان تجدد في مؤسساتها وتعمل على تطوير آليات العمل وخلق تقاليد وركائز من اجل بناء أجيال جديدة تحافظ على كيفية السير بتوازن في عالم لا يرحم..
وتعمل على تبادل التجارب لمعرفة خفايا ما يمكن عمله.. ومعرفة كيفية قيادة السفن في بحر هائج من العواصف. ان ما يتفاقم اليوم من مخاطر لا تهدد كياناتنا السياسية فحسب، بل حتى حصوننا الاجتماعية له أسبابه الحقيقية التي لابد من التوقّف عندها.
إن الظروف التاريخية والثقافية والاجتماعية التي ساهمت في تكوين كل البشاعات تسمح للمرء ان يكتشف ما إذا كانت النزعات الإرهابية قد دخلت المنطقة من الباب الغلط فيمكن معالجتها، أو أنها نبت من واقعنا..
فنعترف به لنقوم باستئصاله حالا وان نعمل على خلق »ثقافة« مستنيرة ومسالمة وننتجها بلغة عالية المستوى وهي تتضمن جملة من الآليات والمفاهيم في نفي الكراهية والأحقاد من الصدور.. وان تزرع المحبة والتودد وروح التعاون بديلا لها.
وان يعمل كل من يخطئ على تجنب تكرار هذا الخطأ بعد ان يعترف به، فالاعتراف بالخطأ فضيلة.. إننا بحاجة إلى تربويات جديدة لتكوين عقلية جديدة لنشئنا كله.. عقلية تحتر
م معاني الإسلام السامية وترسّخ مبدأ العمل والمحبة والنظام وجعل الدين في خدمة الحياة الدنيا لا في إرهابها وإعدامها من الوجود دون ذنب، فليس من حق أي إنسان أن يجعل نفسه وصيّا على الآخرين.
ان مجتمعاتنا ـــ بشكل خاص ـــ بحاجة إلى أجيال هادئة وذكية ومستنيرة وخالية من التعّصب وان تنفي مشاريع القتل والتكفير من قاموسها وان تعشق تراب البلاد وان تحترم الحياة الإنسانية.
صحيح ان الدنيا لا تساوي جناح بعوضة وصدق من قال ذلك، ولكن هذا مبدأ للفرد، فالمجتمع له تواصله في الدنيا وله ترابه وقيمه الإنسانية العليا.. ومن المهم تربية قيادات شابة سياسية وعلمية وحرفية وإعلامية وإدارية وتربوية..
مهمتها توجيه الإنسان نحو المستقبل وتوفير الحياة الحرة والكريمة للناس. فهل ستستجيب دولنا ومجتمعاتنا لمثل هذه التحديات القاسية كي تتخلص من أتون عواصف هوجاء؟ أتمنى أن يحدث ذلك في الأيام المقبلة.
مؤرخ عراقي