قبل بدء المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية المصرية، وخلال مؤتمر جماهيري بإحدى مدن الصعيد، خاطب أمين الحزب الوطني الحاكم في هذه المحافظة الحضور محذرا الناخبين من الإنسياق وراء المرشحين الذين ينفقون ببذخ في محاولة لشراء مقعد البرلمان بأي ثمن ..

المسؤول المتنفذ بالحزب الوطني كان يقصد مرشحا مستقلا بعينه، وكانت المفاجأة في المؤتمر أن قريبا لهذا المرشح قاطع المسؤول متهما إياه بأنه حاول الحصول على رشوة مالية كبرى كي يرشح قريبه على قوائم الحزب الوطني، تكهرب الجو، لكن المشكلة انتهت دون أن يعرف الحاضرون حقيقة الأمر.

المهم جرت الانتخابات في تلك المدينة وسقط مرشحا الحزب الوطني في تلك الدائرة التي لم تنتخب مرشحا لهذا الحزب منذ تأسيسه عام 1979، أما المرشح الذي حاول رشوة الناخبين فقد سقط هو الآخر بدوره في ملحق الإعادة أمام مرشح الاخوان المسلمين.

رغم أن الحزب الوطني حاول ترشيحه على قوائمه في مرحلة الإعادة، لكن المرشح رفض. في هذه الدائرة الصغيرة يمكن تلخيص الظواهر المتعلقة بما جرى حتى الآن في الانتخابات البرلمانية المصرية .

أولا : شهدت هذه الانتخابات تطرفا ماليا وتطرفا دينيا ملفتا لم تشهده أي إنتخابات سابقة بهذه الحدة .. التطرف المالي تمثل في انفاق بعض المرشحين مبالغ هائلة من الاموال في سبيل هدف وحيد.

وهو الحصول على المقعد البرلماني أو الكرسي أو بعبارة أخرى شراء الحصانة، لدرجة دفعت بعض المحللين للتساؤل الاستنكاري عن الهدف الحقيقي لشراء الحصانة بأي ثمن حتى لو كان عشرة أو عشرين مليون جنيه، ويستمر التساؤل هل الحصانة للحماية من فساد موجود أم لتنمية الثروة .؟!

التطرف الديني لم يكن قاصرا فقط على المسلمين، فإذا كان هناك مرشح للاخوان، فقد كان هناك مرشحان مسيحيان، الاول نزل على قائمة حزب التجمع التقدمي وكان خطابه محترما وركز على العدالة الاجتماعية، أما الثاني فقد شاع على نطاق واسع أنه مرشح الكنيسة.

وللأسف فقد حصد معظم اصوات المسيحيين في هذه الدائرة، وبفوز مرشح الاخوان الذي يخوض الانتخابات للمرة الأولى فقد تكرس الخطاب الطائفي في هذه الدائرة التي كانت الشرارة التي انطلقت منها الجماعات الإسلامية في السبعينات، ثم شرارة التطرف في بداية التسعينات .

الملاحظة الثانية وبعد معرفة النتائج النهائية للمرحلة الأولى وفوز الاخوان بحوالي 34 مقعدا وجبهة المعارضة بأكملها بسبع مقاعد فقط وتقاسم الحزب الوطني والمستقلين بقية المقاعد الـ 164.

فقد وضح للمرة المليون أن فكرة الاحزاب لم تترسخ بعد في الوجدان الجمعي للمصريين خصوصا في الارياف، والمؤكد وطبقا لتجربة عيانية لحظتها بنفسي خلال التجوال في بعض القرى أن أكثر من 90% من المصريين إذا ذهبوا لصناديق الإنتخابات فإنهم يدلون بأصواتهم على أساس عائلي وعشائري وقبلي، ثم على أساس علاقات النسب والمصاهرة .

والعلاقات الاقتصادية والمصالح، وبالطبع على أساس الدين، وبالتالي فإن الحديث عن صراع انتخابي على أساس برامج متنوعة ومتمايزة يظل حلما قد يتحول إلى حقيقة بعد سنوات إذا بدأ الإصلاح السياسي المأمول الآن ولم يتحول إلى مجرد وعود .

الملاحظة الثالثة هي الصعود الدرامي للإخوان الذي فاجأ من أراد أن يتفاجأ، الجماعة هي القوة السياسية الوحيدة الموجودة في الشارع المصري إذا تعاملنا مع الحزب الوطني باعتباره حزب السلطة والمنافع والوظائف .

تلك ملاحظات أولية وسريعة عن هذه الانتخابات التي قد تمثل نقطة تحول فارقة في الحياة السياسية المصرية وربما العربية.

emadiraqi@yahoo.com