أكثر أخطاء الإدارة الأمريكية في التعامل مع تفصيلات الحالة العراقية، بعد غزو بغداد واحتلالها، يعود إلى تغليب عنصر القوة والنظر إلى مسرح التفاعلات والعلاقات الدولية عبر فوهة المدفع..

قبل عملية الغزو التي ثبت أنها أقرب إلى مغامرة غير محسوبة، نصحت واشنطن من جانب حكماء عدول أدرى بشعاب العراق ومحيطه الإقليمي بأن لا تطأ بجنودها أرضا لا تعرف دروبها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية المذهبية، وألا تستمع لتحريض قوى موتورة ضد بغداد, سواء من أهل البيت العراقي أومن النظم والدول الإقليمية.

كان من بين هؤلاء الناصحين المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدفاعية، الذي جزم بأن اليوم التالي لاحتلال العراق لن يشهد أمنا ولا استقرارا للمحتلين. لاسيما وان واشنطن لا تملك رؤى واضحة حول مرحلة ما بعد الغزو، وليست لديها الاستعدادات الكافية لإدارة بلاد عباد لا تعرف عن أحوالهم الكثير دون خسائر جسيمة مادية وأخلاقية.

لكن الرئيس الأمريكي المتنمر وبطانته في الداخل والمتذيلين لبلاده في الخارج كانوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أسوأه, كان الأسوأ، الذي بدا للخلق أجمعين بعد حين.

هو أكذوبة اتجاه بغداد لحيازة أسلحة الدمار الشامل، وإمكانية تحويل العراق إلى واحة للديمقراطية تتفيأ بها وتهتدي وتقتدي بقية شعوب الشرق الأوسط الكبير،ولأن حبال الكذب والنفاق قصيرة دوليا لاسيما في عصر المعلومة الفضائية سريعة العولمة، فقد انفضحت هذه المزاعم عاجلا.

وكانت العقلانية تقتضي من تحالف الغزو الإقلاع عن منهجية تأكد خلطها وتكشفت سوءاتها في المسألة العراقية برمتها. غير أن الذي حدث ويحدث هو المضي في تطبيق هذه المنهجية إلى آخر الشوط.. على الطريقة الجوبلزية في امتطاء الكذب الكبير.

وعليه، تنحى زعم أسلحة الدمار الشامل وتراجعت فرية الدمقرطة، ليخليا مكانا أرحب لدعوى محاربة الإرهابيين. ويعلم أهل الذكر أن أرض الرافدين ما كانت قبل حلول غزاة الغرب محلا لإثارة مثل هذه الدعوى.

ولا كانت تحتمل نشوء الخلط بين مفهومي الإرهاب والمقاومة. غير أننا لا نتحدث هنا عن الحقائق أو الحقيقة، وإنما نعايش مسلسلا مملا من الأكاذيب، يتوالى عرض حلقاته في استخفاف لا نظير له بعقول المشاهدين.

آخر عروض هذا المسلسل، الحلقة التي تدور حول إلقاء تبعة إنعدام الأمن وزوال الاستقرار وإحباط صيرورة التحول الديمقراطي وانتشار الإرهاب وتفشى الجريمة وسطوة أمرائها على كاهل دمشق!.

ومن المشاهد الموحية بجهل المؤلف وتلطيه على المحددات الجغرافية والتاريخية والسكانية والاجتماعية الاقتصادية لمصير العراق المحتل وجواره، المشهد الذي يظهر فيه ديفيد .

وولش مساعد وزير الخارجية الأمريكية متحدثا عن »قلق الولايات المتحدة من التدخل السوري في العراق ولبنان والصراع الإسرائيلي الفلسطيني.. فهذه القضايا صعبة جدا ونحن نطلب من الحكومة السورية عدم التدخل في هذه القضايا«.

والحال كذلك، مطلوب من دمشق أن تتابع بكل سلبية الحرائق المشتعلة وعمليات الهدم والبناء أو في الحقيقة عمليات اللا بناء والفوضى، الجارية بمعرفة التحالف الأمريكي البريطاني الإسرائيلي على تخومها ذات اليمين وذات الشمال وذات الجنوب!.

ترى من الدولة العاقلة أو حتى السخيفة التي يعتمل بجوارها مثل ما يدور بأرض الرافدين ولبنان وفلسطين من وقائع وتقعد مع القاعدين في بلهنية مكتوفة الأيدي ومغمضة الأعين؟!

إن عدم التدخل والقعود لا يحتمل حتى من ساكن شقة في بناية إزاء جيرانه، فكيف الحال مع دولة مركزية في منظومة اقليمية تتقاطع بين أعضائها وتتعامد أواصر القربي والتراحم والدم وتتشابك المصائر بكل المعاني المعروفة بين الأمم؟

لو كانت دمشق معنية بالأحدث والتطورات في العراق ولبنان وفلسطين (وإسرائيل أيضا)، بحكم وضعها الجيوستراتيجي السياسي فقط، لكفى بذلك داعيا لها للاهتمام والأرق وطيران النوم من عيونها. لكن أي مبتدئ في فهم العلاقات الدولية، يختص في شؤون الشرق أوسطية أو العربية، يدرك أن ما يستثير دمشق أكبر وأكثر بكثير من هذا الحافز على حيويته ووجاهته.

ويبدو أن وولش وقيادته لا علم لهم بالحقب التي كانت فيها العراق تحكم من دمشق أو كانت سورية تحكم من بغداد في إطار صعيد حضاري واحد.

وفي تاريخ قريب انتقل الملك فيصل الأول من الحكم في دمشق إلى الحكم في بغداد، وهو القادم أصلا من بلاد الحجاز، من دون أن يشعر أهل هذه البلاد بغربة كبيرة بين الحاكم والمحكوم، ولولا معطيات ضاغطة لكانت بغداد ودمشق وعمان وبيروت والقدس تحت راية واحدة وعلم واحد لدولة الهلال الخصيب العربية.

ثم إنه قبل ذلك وبعده، كيف بحق السماء يصح للولايات المتحدة ومحازبيها الاتيان بقضهم وقضيضهم من أعالي أعالي البحار، للإضطلاع بهندسة العراق، دون الحديث مؤقتا عن لبنان وفلسطين وإيران..

إلخ، ولا يصح ذلك لدمشق وهى من أهل البيت؟ هذا علما بأن سورية الدولة تنفي تدخلها في الشأن العراقي وتنادي بأعلى صوتها أن لا مصلحة لديها في فوضى عراقية أو لبنانية بالجوار. من هي الدولة الحمقاء التي تعتصرها مثل الظروف السورية وتفعل العكس؟!

أما ذروة العبث في الخطاب الأمريكي الخاص بسوريا فتعثر عليها في المقطع الخاص بدعوة دمشق إلى عدم التدخل في الصراع »الإسرائيلي الفلسطيني«. فإذا كانت سورية التي تؤوي نصف مليون لاجئ فلسطيني، ولها أرض محتلة من إسرائيل، وخاضت بضع حروب على خلفية العدوانية الإسرائيلية التوسعية.

وتحت يدها عشرات القرارات الأممية العاطفة على حقوقها التي تنتهكها إسرائيل، والرائدة في النظام العربي الذي تنتمى إليه فلسطين وشعبها وقضيتها.

والتي توصف بأنها فلسطين الشمالية كما توصف فلسطين بأنها سورية الجنوبية..، إذا كانت سورية هذه لا محل لها من الإعراب والمكانة في غمرة »الصراع الإسرائيلي الفلسطيني«، فمن هى الدولة التي يحق لها التدخل في هذا المقام؟.

لا ندري في أية مدرسة تلقى وولش والذين معه علومهم السياسية وثقافتهم الضحلة حتى السيولة عن العالم العربي، لكنهم حقا وصدقا بحاجة إلى كثير من فقه العلاقات الدولية والتعرف على ثقافة الأمم الموغلة في القدم واحترام إفهام الناس..

هذا علاوة على الكثير من الحياء في مقاربة القضايا التي يخوضون فيها بمناسبة ودون مناسبة.. قال لي صديق مثقف وهو يحاورني إن السياسة الأمريكية الراهنة يديرها هواة وأعشار موهوبين.وهذا هو الأصل في أن واشنطن تخطئ ونحن بعض من يتأذون من خطاياها في هذا العالم.

كاتب وأكاديمي فلسطيني