تبدو الإدارة الأميركية هذه الأيام كمن يبحث عن مخرج من الورطة العراقية، فالذرائع التي استخدمتها إدارة بوش تفقد وجاهتها وقدرتها على الإقناع يوماً بعد يوم، والنزيف اليومي لأرواح الجنود مستمر لا يوقفه شيء، لا إلصاق تهمة الإرهاب بكل فصائل المقاومة، ولا السجون السرية، وما يجري فيها، كما لا يفت في عضدها العمليات واسعة النطاق ضد المقاومين والتي تأخذ أسماء كبيرة لا تليق بالنتائج التي تحققها.
داخلياً، تبدو الولايات المتحدة مرتبكة، فبعد أن فقدت الذرائع القديمة بريقها، بدأت تختلق ذرائع جديدة تقوم على أن المجتمع الدولي كان موافقاً على ما حدث.
وفي هذا السياق تم اقتطاع عبارات من خطاب دومينيك دوفيلبان الذي كان وزيراً لخارجية فرنسا أمام مجلس الأمن على طريقة، لا تقربوا الصلاة لمحاولة إثبات أن باريس كانت تؤيد ما جرى، وردت العاصمة الفرنسية بحزم طالبة من الأميركيين أن يتوقفوا عن هذا العبث.
كما شهد الكونغرس لأول مرة تقديم طلب رسمي من أحد أعضاء مجلس النواب يطالب بانسحاب فوري للقوات الأميركية، وبدا أن هذا الطلب يكتسب تأييداً كل يوم، وذلك بالطريقة نفسها التي يتسع بها تيار سيندي شيهان المستنكر لاستمرار البقاء في معركة لا يبدو أن لها هدفاً.
عالمياً أيضاً لم يعد وجود الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش محل ترحيب في أي مكان، وفي الأيام القليلة الماضية أثبت المحتجون في الأرجنتين وكوريا الجنوبية أن ذرائع البقاء في العراق لم تعد تنطلي على أحد في العالم، فحتى ايهود باراك رئيس وزراء إسرائيل السابق طالب بانسحاب أميركي إلى الصحراء الفاصلة بين العراق والأردن رغم ان تل أبيب كانت المستفيد الأوحد من الغزو الأميركي.
على الساحة العراقية أيضاً يبدو أن هناك حالة ارتباك شديدة، فحينما داهمت القوات الأميركية قبو الجادرية فسر البعض ذلك بأنه تدخل أميركي يستهدف مساندة السنة في مؤتمر المصالحة الذي بدأ في القاهرة.
ومثل هذا التصريح غريب، فالوجود الأميركي عزز من سيطرة الشيعة ودخل في عداء مع المناطق السنية بدا غير مبرر أحياناً، واعتبر أنه محاولة من المحتل لإشعال فتيل فتنة طائفية لا تجعل العراق ينهض من جديد، وبالتالي تحويله إلى دولة ضعيفة لا تشكل خطراً على إسرائيل.
كثيرون أيضاً يقرأون الهمة التي أبدتها الجامعة ومعها أطراف عربية أخرى في عقد مؤتمر المصالحة بوجود دفع أميركي بعدما أحست الإدارة في واشنطن أنها مهما فعلت لن تستطيع إحكام السيطرة على الداخل العراقي .
ولا توفير أمن واستقرار يتيح لجنود الاحتلال البقاء ومن ثم فإن الاتفاق السياسي بين تكوينات الشعب العراقي ربما يكون المخرج الوحيد التي يتيح لأميركا تخفيف وجودها دون أن تترك حلفاءها الذين دخلوا على الدبابات الغازية في مهب الريح.
بعيداً عن الرغبات الأميركية فإن مؤتمر المصالحة يمثل فرصة على جميع تيارات العراق السياسية اغتنامها، فالمحتل سيخرج آجلاً أم آجلاً، ويترك الساحة، ومن ثم فإن التسامح والتعايش لا بديل عنهما للعراق الموحد.
أما إصرار الأطراف التي حققت مكاسب بوجود الاحتلال على مكاسبها فهو وصفة مقيتة لاقتتال داخلي سيعرف الجميع كيف يبدأ لكن أحداً لن يعرف كيف ينتهي.
magdishendi@hotmail.com