يقولون إن المثقفين يسكنون أبراجاً عاجية، مقولة خيالية صدقناها في زمن والآن تنهار أمام أعيننا بعدما ثبت عكسها تماماً، فالذين كانوا يصولون ويجولون في ساحات الشعر والقصة والرواية.
وصنوف الأدب بأجمعها من شباب وشابات البلد في بداية أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات والذين من المفترض أن يكونوا الآن في قمة نضجهم وعطائهم ونشاطهم الفكري ما عادوا في الواجهة.
فالملتقيات والمهرجانات والأسابيع الثقافية تكاد تخلو من وجوههم وحضورهم، غابوا وغاب معهم الصوت المحلي للثقافة. فإذا كانوا هم ليسوا في أبراجهم العاجية وليسوا في ساحة الناس وساحة الحراك والتفاعل، فأين هم؟
سؤال واجهني به أحد المثقفين العرب المقيمين في ساحتنا الثقافية من زمن طويل يحقق له قدرة على رصد الحراك والتفاعل الثقافيين. وكان من الصعب علي الإجابة، لأنني بنفسي أواجه هذا السؤال في داخلي كلما دخلت إلى أروقة مكان نظم فيه مهرجان أو فعالية ثقافية.
حقاً.. أين مثقفونا ومبدعونا؟ أين الأسماء اللامعة التي كان لها ذات يوم »رنة وشنة«؟ ولماذا يغيبون اليوم الذي يتوفر فيه عدد كبير من المؤسسات الثقافية التي تناديهم بالأسماء، والأنشطة التي تسأل عنهم ويشكل غيابهم فيها فراغاً كبيراً للثقافة الوطنية.
لو اعتقدنا أنهم غرقوا في أعمال السوق والفورة الاقتصادية التي تنعم بها البلاد، فهذا يعني أن نصفهم في تسمر هناك في سوق الأسهم يضارب بسهمه صعوداً ونزولاً ونصفهم الباقي نزل إلى سوق البضائع والسلع يتاجر بالسيارات والخام ومواد التجميل ومواد البناء.
لكن وحسب معرفتي المتواضعة بأحوال من عرفتهم بالأسماء في ساحتنا الثقافية أو من قرأت وتابعت إنتاجهم الفكري والإبداعي فإنني لا أعتقد أنهم انغمسوا في بحر المال والأعمال لدرجة كبيرة حتى أصبحت ساعات النهار والليل عندهم لا تكفي لممارسة فعلهم الأصلي في الساحة الثقافية..
النشاط الثقافي في البلد مستورد جملة وتفصيلاً..كما نستورد الحليب المجفف ومصففات الشعر.. أما أهل البلاد فلا يمارسون ثقافة وإبداعاً فمثقفوها الأشاوس غابوا وابتعدوا بعد أن ضيقوا الخناق على ميلاد جيل بديل!
حقيقة أتحدى أن ينكرها أحد.
halyan10@hotmail.com