كنت أفكر في الكتابة هذا الاسبوع حول الاغتيال المقصود أو غير المقصود في عمان-الأردن للمخرج العربي الكبير مصطفى العقاد. وذلك لما يمثله لنا هذا الرجل، نحن المهتمين بالخطاب العربي الثقافي والفني، ونظرا أيضا للمكانة المتميزة التي يشغلها مصطفى العقاد كمخرج عربي في الغرب له مواقفه ورؤاه ومكانته الخاصة، إلا أنني آثرت تأجيل هذا الموضوع إلى مرة مقبلة. الذي دفعني إلى هذا الإرجاءـ رغم شعوري بأن الموقف الأخلاقي، والمعاني التي يمثلها ذلك الرجل تتطلب منا أن نكتب حوله وأن نعبر عن مواقفنا تجاهه ـ موضوع آخر أرى أنه مهم هو أيضا وبحاجة إلى أن نتناوله وأن نسجل موقفا حوله ، وهذا الموضوع مرتبط بالمبادرة التي أطلقها قبل أيام قليلة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، والمتعلقة بتشغيل الشباب المواطنين في القطاع الخاص، وذلك لما له من أهمية خاصة في أوساط شبابنا والمهتمين بشؤون هذا البلد.
الجانب الذي همني بالدرجة الأولى في هذه المبادرة أن سمو الشيخ محمد ركز على أن موضوع الاهتمام بتوظيف الشباب المواطن في القطاع الخاص متعلق بالدرجة الأولى بالشعور بالمسؤولية من قبل تجار هذا البلد تجاه وطنهم وأبناء وطنهم. إن تركيز سمو الشيخ محمد على أن المواطنة تعني المسؤولية هو ما نراه النقطة الفيصل في الكثير من القضايا التي تشغلنا والتي يتناولها إعلامنا أحيانا لأنها تعني بالدرجة الأولى أننا يجب أن نضع المسؤولية تجاه وطننا أمام أعيننا فيما نقوم به من سلوك وما نتخذه من قرارات، خاصة حين تتجاوز هذه القرارات أمورنا الشخصية إلى القضايا العامة للبلد.
المواطنة تعني المسؤولية، هكذا يجب أن نفكر وأن نتصرف، ولو كنا على وعي كاف بهذا الأمر لما اشتكينا من أشياء كثيرة من بينها إهمال القطاع الخاص في كثير من الأحيان للمصلحة العامة ، وأعني به هنا القطاع الخاص الوطني تحديدا (القطاع الخاص الأجنبي إشكالية أخرى لها أيضا صلة بموضوع المسؤولية، لكنه ليس موضع تركيزنا هنا).
نحن نعرف أن الكثير، أو معظم تجار هذا البلد من المواطنين يحبون بلدهم ويسعون للمحافظة عليها وعلى مصالحها، لكننا لا نستطيع أن نتجاهل أيضا أنهم في مجال الاهتمام بالمصلحة العامة لم يلعبوا الدور المطلوب منهم، على الرغم من أن موضوع الاهتمام بالمصلحة العامة يعني أيضا الحفاظ على مصالحهم الشخصية. فعلى سبيل المثال، الاتجاه في توظيف غير المواطنين يشكل اهدارا كبيرا للثروة الوطنية، لأن الخبرات التي يكتسبها هؤلاء في مؤسساتنا لا تعود لمصلحة أوطاننا في نهاية المطاف بل تعود عليهم هم شخصيا. إضافة إلى ذلك، إن الموظف غير المواطن لا يحمل التزاما وطنيا أخلاقيا تجاه المؤسسة التي يعمل بها بل يبقى التزامه ماديا في جوهره.
وبناء عليه يسيره هذا الالتزام نحو مصلحته الشخصية، والتي تعني أنه في حال توفرت له فرصة عمل أفضل في مكان آخرلن يتردد في ترك عمله. لذا فإن أي استثمار في هذا الموظف يعتبر هدرا. بالمقابل عندما يقوم القطاع الخاص بتشغيل الشباب المواطن، حتى وان منحه أجورا أعلى من تلك التي يدفعها للوافد، فإن عائد عمل هؤلاء الشباب يتم تدويره في داخل البلد، أي أن الجزء الأكبر من دخل هؤلاء الشباب هو الذي يشغل القطاع الخاص. بمعنى آخر، ان دخل هؤلاء الشباب سيعود في آخر المطاف إلى التجار وإلى القطاع الخاص تحديدا من خلال استهلاك هؤلاء الشباب لدخلهم في جوانب حياتهم اليومية.
في المقابل، إن المبالغ الطائلة، والتي تقدر بالمليارات من أموال هذا البلد والتي تتسرب الى الخارج حين يتم تحويلها من قبل العمالة الوافدة إلى مواطنها الأصلية، يعني حرمان هذا البلد ومواطنيه من ثروة مهمة لا شك أنها لو بقيت ستلعب دورا كبيرا في تأمين مستقبله واستقراره والحفاظ على ثرواته ومكاسبه. من جانب آخر، إن تشغيل الشباب المواطن والقضاء على بطالته يعني أننا نوجه طاقات هؤلاء الشباب نحو جوانب لها مردودها الإيجابي على هذا البلد، ليس من نواح اقتصادية فقط ولكن أيضا من نواح أمنية واجتماعية وإنسانية بالدرجة الأولى.
فالشباب الذي يتم الاهتمام بطاقاته من قبل بلده وتوجيهها نحو الجوانب التي تجعله يشعر بقيمة نفسه وبدوره في الحياة شباب يتمثل بالمثل العليا، نظرا لأنها زرعت فيه، أما الشباب المهمش والمضطهد والذي يقصيه مجتمعه من الاشتراك في صياغة حياته وفي قراراته فإنه بلا شك على استعداد دوما لتوجيه طاقاته الغاضبة ضد بلده وضد مجتمعه. وهنا لابد من التذكير بأن أهم ما ميز بلدنا، وعبر سنين طويلة هو الشعور بالأمن والأمان اللذين يشعر بهما مواطنوه وساكنوه على حد سواء، وهذا الشعور لا يأتي من فراغ وإنما يجيء نتيجة إحساس الإنسان بأن له قيمة في بلده، ولكي نحافظ على هذا الشعور علينا أن لا نفكر فقط في مصالحنا الخاصة والضيقة بل يجب أن نضع المصلحة العامة نصب أعيننا دوما.
المواطنة تعني المسؤولية، هذه هي النقطة المهمة التي يجب أن نركز عليها وأن نجعلها نصب أعيننا في كل أمر نشتغل عليه أو نعنى به. وهنا تحضرني حكاية أود أن أسردها لكم: في إحدى الحدائق العامة في مدينة من مدن ألمانيا كانت هناك مجموعة من الشبان الصغار في السن يتمشون في الحديقة وكان من بينهم شابا، يبدو عليه أنه من أصول غير ألمانية، يشرب كأس عصير وحين انتهى من شرابه ألقى بالكأس الفارغة إلى الأرض . أحد الشباب الذين كانوا معه بدا عليه الغضب وشرع يتكلم معه لبعض الوقت.
لم أكن أعرف اللغة، لكنني فهمت من ردة فعل الشاب الذي ألقى بالكأس أن الشاب الذي يتحدث معه كان غاضبا من سلوكه، وربما كان يعلمه درسا في معنى المواطنة والمسؤولية العامة، إذ ما كان من الفتى إلا أن رفع كأسه من الأرض وذهب به إلى سلة المهملات وهناك ألقى به مرة أخرى. استوقفني سلوك الشاب الألماني الصغير وبدأت أفكر في الكيفية التي يزرع بها شعور المسؤولية العامة في نفوس النشء، فنحن بحاجة كبيرة إلى أن نتبنى الأساليب التي تجعل أبناءنا يفهمون معنى المسؤولية العامة ويمارسونه كسلوك. عندها سنفهم معنى المواطنة.
جامعة الإمارات