الحرية أنشودة عذبة تداولتها الألسن وشغلت بال العقول، عبر العصور، تغنى بها الشعراء، وتدافع أصحاب المبادىء، في كل مكان من العالم، لتقديم الضحايا والقرابين على عتباتها، وخلدتها الشرائع الدينية والوضعية، على أنها أعظم النعم، التي يتمتع بها الإنسان.

وقد ساهم الإنسان المعاصر، بإعطاء الحرية بعداً إضافياً، عندما جعل الممارسة الديمقراطية، نهجاً لحياة الفرد والمجتمع، وآلية يستطيع الفرد من خلالها، توظيف حريته الشخصية، من أجل صياغة النظام السياسي أو الاجتماعي، الذي يجد فيه فرصاً لحياة أفضل.

لقد كرمت، عشرات اللوائح، الصادرة عن الدول، أو عن المنظمات الدولية، كالأمم المتحدة، الإنسان، عن طريق توسيع رقعة حريته وحقوقه في شتى جوانب الحياة، موجهة بذلك سهام النقد إلى الدول النامية التي لا تزال متخلفة في مجال الحريات وحقوق الإنسان.

الديمقراطية بمعناها الأكاديمي، تعني سلطة الشعب، فرصاً متكافئة للجميع، في الحصول على التعليم، وفي الحصول على الخدمات، التي توفرها الدولة، وفي الحصول على فرص العيش الكريم، وبتعبير آخر ضمانة للإستقرار الاجتماعي والسياسي.

ولكن إذا كان ذلك كذلك، فكيف نفسر ما جرى ويجرى، في الساحة الفرنسية، إحدى قلاع الديمقراطية في العالم، البلد الذي ورث شعبه تقاليد الثورة الفرنسية، والذي لديه رابع أقوى اقتصاد في العالم.

فقد اجتاحت فرنسا منذ السابع والعشرين من أكتوبر المنصرم، أحداث عنف شديد، لم تشهده الساحة الأوروبية منذ زمن طويل، بسبب وفاة اثنين من الشباب، من أبناء المناطق الفقيرة، صعقاً، عند ختفائهم في محطة كهربائية، هرباً من رجال الشرطة التي كانت تطاردهم.

حيث زحفت أحزمة الفقر التي تطوق العاصمة باريس، والتي تصل فيها نسبة البطالة، إلى ما يقرب من خمسين في المئة، لتصب جام نقمتها على ممتلكات المرفهين وتجعلها طعاماً للنيران. وسرعان ما انتقلت هذه الأحداث إلى عشرات المدن الفرنسية الأخرى، وسط مخاوف من انتقالها إلى دول أوروبية أخرى، خاصة بعد أن شهدت العاصمة الألمانية برلين، والعاصمة الأوروبية بروكسل، أحداثاً مشابهة، ولكن على نطاق أضيق.

ففي الوقت الذي استبعد فيه الزعيم الاسباني المسلم، عبد الكريم كاراسكو، أن تشهد إسبانيا أحداثاً مماثلة بسبب قلة المهاجرين الفقراء من الشمال الإفريقي، إلا أنه أكد على خطورة ما يجرى قائلاً : » إما أن تتقبل أوروبا فكرة تعدد الثقافات وامتزاجها، أو لن يكون هنالك مستقبل لأوربا «.

ولم يستبعد الزعيم اليساري الإيطالي، رومانو برودي، وهو أحد الرؤساء السابقين للاتحاد الأوروبي، في كلامه التحذيري » بأن الفقر والبطالة والتحلل والفساد في المدن، قد يؤدي إلى إندلاع شرارة العنف، في إيطاليا أيضاً «.

ولم تخلُ أجواء الأحداث من بعض الطرائف، فقد عكست إحدى الصحف الجزائرية، الأحداث في رسم كاركاتيري، لشاب يقف في القنصلية الفرنسية يقول لقنصل »الفيزا أو أشعل سيارتك«.

لم تكن الأحداث ذات طابع ديني، رغم ان غالبية من أسهم فيها، هم من أبناء وأحفاد المهاجرين من الشمال الإفريقي، وتحديداً من الجزائر والمغرب وتونس، إنه الجيل الجديد الذين يشعر بالإحباط، ويعيش على هامش الحياة، وفي أوطأ درجات الفقر التي تسمح بها القوانين الفرنسية، جيل فقد الأمل في رؤية أية بادرة لمستقبل أفضل، جيل يؤرقه الشعور، بانسحاق إنسانيته بسبب الفقر والعوز والبطالة.

صحيح ان الخسائر البشرية ضئيلة جداً، كما ان الخسائر المادية، هي الأخرى ليست كبيرة جداً، إلا أن أكبر الخسائر، هو ما لحق بصورة فرنسا، و ما لحق بالنموذج الذي يقدمه الغرب حول اندماج الثقافات المتعددة في بوتقته الديمقراطية.

وقد أسهمت هذه الأحداث إلى لفت انتباه الحكومات والرأي العام العالمي، إلى سوء الأوضاع التي يعيشها المهاجرون في بعض الدول الأوروبية. كان رئيس الوزراء الفرنسي دومونيك دو فيلبان، واقعياًً جداً، حينما أعلن بأن » الجمهورية تواجه لحظة الحقيقة، إن ما يجرى اختباره، هو نموذجنا في اندماج الثقافات «.

من الواضح للعيان، بأن سياسة الدمج بين الثقافات المتعددة لا تعمل بنجاح، فهي ليست أكثر من شعار جميل في الطروحات السياسية، إلا انه عند التطبيق، يتم تجاهل الثقافات الأخرى، ويطلب من المهاجرين المزيد من الانخراط في الثقافة السائدة في البلد.

من السابق لأوانه، التنبؤ بالآثار التي ستتركها هذه الأحداث، على المجتمعات الأوروبية، إلا أنها، ومن دون شك، ستترك بصماتها على الكثير من الإجراءات، التي ستتخذ في هذه الدولة أو تلك، تحسباً لحدوثها.

هنالك ما يستحق التوقف، أمام طبيعة انتماء المهاجرين، إلى الدول الأوروبية، التي حطوا الرحال فيها، فقد رفضوا الإندماج الثقافي بالمؤسسات الغربية القائمة،

وفضلوا العزلة عنها، من خلال إدامة عاداتهم وطقوسهم، جيلاً بعد جيل، مما عمق شعور الغربة لدى الأجيال الشابة عن وطن ولدت فيه ولا تشعر بالانتماء إليه. هذا في حين، أن معظم الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة، وجدوا الإنخراط، مع المجتمع الجديد أقل صعوبة، خاصة وأن الشعب الأميركي، في نهاية المطاف، شعب مهاجرين من بلدان عديدة.

ولكن ذلك، ليس في رأينا السبب الرئيسي للواقع المزري الذي يحيونه، فظاهرة انتشار الفقر ظاهرة عالمية، رصدتها العديد من المنظمات الدولية، وأشارت إليها الكثير من التقارير، وحذر من خطورة تداعياتها الكثيرون.

فالعديد من الراصدين للأوضاع الدولية، يرون بأن الديمقراطية، تتعرض إلى هجوم شديد، حتى في الدول الصناعية المتقدمة، ليس من قبل القوى التي تتحسر على الأنظمة الشمولية،

وإنما من قبل قوى فاعلة، في المؤسسات الديمقراطية نفسها، وهي الأكثر خطورة، لأن لها القدرة، من موقعها، في رحم المجتمع الديمقراطي، على حرفه عن مساره، وهذه القوى هي الاحتكارات المالية الكبيرة، المتعددة الجنسية، التي يتضمن هيكلها، نظاماً شمولياً، طالما دعت الأوساط الغربية إلى إجتثاثه.

وتكمن قوة هذه الاحتكارات، في سيطرتها على المؤسسات المالية العالمية، وإلى استنادها إلى دعم دول قوية، و تتنامى قدرات هذه المؤسسات القوية باستمرار، نتيجة سياسة العولمة، التي تقدم كنموذج للدول النامية، حيث يغتني قطاع صغير غناً فاحشاً، مقابل زيادة في نسبة من ينضم إلى الطبقات الفقيرة التي تكدح تحت قسوة الحياة وشظف العيش.

وفي ظل طغيان هذه المؤسسات، وتدخلها في السياسات الداخلية للدول، عن طريق فرض شروط خاصة لمنح القروض، تتحول الحريات إلى هدايا شيطانية، طالما أنها لا تقترن بفرص للعمل.

وقد كان لطريقة تعامل الإدارة الفرنسية مع الأزمة، أصداء ساخرة في بعض الأوساط الإعلامية، فقد ذكرت صحيفة »النيويورك تايمز«، بأن أكثر ما يجلب الإنتباه، هو أن الرئيس الفرنسي شيراك ووزراءه، ليس لديهم أية فكرة، عما ينبغي عمله، ولا مع من يتحدثون.

كما علقت صحيفة الواشنطن بوست على إدارة الأزمة من قبل الحكومة الفرنسية، بأنها كانت مدهشة في بطئها، فقد برهنت القيادة الفرنسية، بأن الأداء المتواضع في إدارة الأزمات، لا يقتصر على الأميركيين وحدهم.

كاتب عراقي