تعقيباً على مقالة »المحبة دون تجاوز« والتي ناقشت بعض السلوكيات المبالغة من قبل الآباء والأمهات في تربية الأبناء وتدليلهم هذه الأيام، بعث لنا القارئ »محمد« رسالة طويلة، يقول فيها رأيه في قضية تربية الأطفال والأبناء، ولن نتمكن من سرد كل ما جاء في رسالته، لكننا سنستعين ببعض ما جاء فيها.
يقول محمد: »المشكلة اليوم باتت في أن دور الآباء يكاد يكون معدوماً أو ربما سلبياً في كثير من الأحيان، للأسف« وأنا أتفق مع الأخ محمد في هذه الملاحظة، وأتساءل: ما الذي قادنا إلى أن الوضع السلبي؟ ومن ثم ما نتائج هذه السلبية على تربية الأبناء؟ إن إحساس الطفل بالخوف من والده وشعوره بهيبة هذا الوالد أحد المرتكزات الرئيسية التي أمرنا بها الرسول عليه الصلاة والسلام عند تربية الأبناء، فأب بلا هيبة ولا قيمة في المنزل يعني الكثير من الانعكاسات الخطيرة.
ويتساءل القارئ: »هل تجدين الآباء يهتمون بأخذ أطفالهم الصغار إلى المسجد ليتعلم الصغير الصلاة منذ نعومة أظفاره؟ هل ينبه الأب ابنه باستمرار ويوجهه إلى أهمية الفضائل وحسن الخلق مع الخالق والخلق؟ أم أن دورهم انحسر بشراء الاحتياجات ودفع المصاريف وتوفير الطعام والملابس وانتهى الأمر؟
هل يوجه الأب ابنه وبشكل دائم إلى أهمية الانضباط والترتيب والاعتماد على النفس بدل »التدليع« والتدليل؟ ثم نأتي بعد ذلك لنلوم الجيل الناشئ كونه مستهتراً، لا مبالياً، وننسى السبب الحقيقي وراء ذلك.
هل نجد حوارات دائمة وجادة بين الآباء وأبنائهم، مع أطفالهم، ما يؤسس لحال من الثقة في النفس منذ الصغر، وما يسهل على الصغير التحدث والتعبير عن النفس عندما يكبر ويختلط بالناس، إننا نصدر لأبنائنا أوامر يومية، لكننا لا نتحدث إليهم، لا نتحاور معهم، لا ننصت لمزاجهم في الكلام وللغتهم وأساليبهم والكلمات التي يستخدمونها، لا نلاحظ كمية الأخطاء واللغة المكسرة التي يتحدثون بها، كل ما نهتم به ينحصر في الأفعال التالية »ذاكر، كل، خذ هذه النقود، لا تخرج الآن« أو أوامر وصراخ وشتائم بذيئة في بعض الأحيان!«.
نعم، هذه هي الطامة الكبرى، فكثير من المعلمات والمعلمين يلاحظون بذاءة الصغار أثناء حديثهم إلى زملائهم، وحين يتم استدعاء ولي الأمر أو ولية الأمر تظهر الحقيقة، فإذا هذه الكلمات البذيئة، كلمات عادية تخرج من فم الأم أو الأب بمنتهى السهولة، وأمام الأطفال، فكيف نلوم الصغار وهذا فعل الكبار أمامهم في كل لحظة وساعة؟
هناك الكثير من الأسئلة التي طرحها القارئ في رسالته بشأن سلوكيات الآباء المفترضة مع أبنائهم والمفتقدة للأسف. هناك أمور كثيرة، كما يقول، نريد معالجتها، لأن الأساس الأول في التربية هو البيت، لكن المفاهيم المغلوطة هذه الأيام قضت على هذا الدور، بسبب الانقسام في النظر إلى التربية، هل هي الدلال والحرية المطلقة بعيداً عن القيم والتعاليم الدينية، أم الكبت والانغلاق وتقييد الحرية؟ هكذا يتساءل القارئ، ونتساءل نحن معه في الاتجاه نفسه، ويبقى الفضاء مليئاً بالأسئلة، ومشرعاً على كل الاجتهادات.
sultan@dmi.gov.ae